أطلق تاجر مخضرم شارك في أحداث الأزمة المالية لعام 2008 تحذيرًا صارخًا، مؤكدًا أن سوق الأسهم الأمريكية قد تتجه نحو تصحيحٍ أشد قسوة من "الاثنين الأسود" الشهير في التاريخ. وقال لاري ماكدونالد، التاجر السابق في بنك ليمان براذرز، إن السوق يبدو هادئًا من الخارج، لكنه يعجّ بتيارات خفية خطيرة، مع تراكم متزامن لمخاطر متعددة، مشيرًا إلى أن انخفاض مؤشر S&P 500 بنسبة تتراوح بين 20% و35% من مستوياته الحالية خلال الأرباع القليلة المقبلة يقع تمامًا ضمن نطاق التوقعات المعقولة.
وأوضح ماكدونالد أن نسبة العائد إلى المخاطرة في السوق حاليًّا غير صحية على الإطلاق، وحث المستثمرين على خفض مراكزهم بحزم عند أي ارتداد صاعد. وعلى الرغم من أن السوق الأوسع لم يشهد انهيارًا شاملًا بعد، فإن العديد من القطاعات بدأت تُظهر علامات التعب، خاصة "مجموعة السبع الكبرى" من أسهم التكنولوجيا التي قادت المكاسب سابقًا، والتي تراجعت بالفعل بنسبة 11% من ذروتها هذا العام، ما يدل على أن رؤوس الأموال بدأت تنسحب بهدوء من الأصول الأساسية. وفي السيناريو الأكثر تشاؤمًا، قد يهبط مؤشر S&P 500 إلى مستوى 4365 نقطة تقريبًا، مسجّلًا أدنى مستوى له منذ نهاية عام 2023.
ويرجع ماكدونالد الأزمة المحتملة إلى أربعة عوامل متشابكة. أولًا، أدت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط، ما دفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة للقفز من 2.92 دولار للغالون إلى 3.84 دولار خلال شهر واحد فقط، مما زاد الضغط بشكل حاد على تكاليف المعيشة للمواطنين. والأهم من ذلك، أن ارتفاع أسعار النفط قد يعيد إشعال التضخم، ويُجهض آمال خفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) لأسعار الفائدة—حيث ارتفعت احتمالات توقّع السوق بعدم حدوث أي خفض للفائدة هذا العام من 5% إلى 40%.
ثانيًا، إن استمرار بيئة أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول من المتوقع يشكّل تهديدًا جوهريًّا للنظام الائتماني. فالموجة الكبيرة من القروض التي منحت خلال جائحة كورونا عند مستويات فائدة قريبة من الصفر تصل الآن إلى آجال استحقاقها دفعة واحدة، بينما يصعب تجديدها في ظل ارتفاع تكاليف التمويل الحالية، خاصة في قطاعَي العقارات التجارية والائتمان الخاص. وقال ماكدونالد مؤكدًا: "كانت أسعار الفائدة حينها لا تتجاوز 1%، ومع ذلك وُزّعت كميات هائلة من القروض الرديئة. أما اليوم، فالمقترضون يواجهون مخاطر مزدوجة: مخاطر الفائدة ومخاطر الائتمان معًا".
ثالثًا، إن تأثير الذكاء الاصطناعي المدمّر على نماذج الأعمال التقليدية يتسارع ويتسع نطاقه. فالمخاوف التي كانت محصورة في البداية بقطاع البرمجيات وحده، امتدت الآن لتشمل وساطة التأمين، وإدارة الثروات، والعقار، بل وحتى قطاع الشحن والنقل. ويصف ماكدونالد السوق بأنه "وحشٌ لا يرحم"، يواصل استبعاد الشركات غير القادرة على التكيّف مع التحوّل التكنولوجي، وسيستمر في ملاحقة "ضحاياه الجدد".
وأخيرًا، يتوقّع ماكدونالد موجة تسريح واسعة النطاق هذا الصيف مدفوعة بالذكاء الاصطناعي. فعلى الرغم من أن معدل البطالة الحالي لا يزال عند مستوى 4% تقريبًا، إلا أن الشركات بدأت تستبدل العمالة البشرية على نطاق واسع بخوارزميات ذكية، ما قد يؤدي إلى فقدان 100 ألف إلى 200 ألف وظيفة شهريًّا بين أبريل ويوليو، وقد يرتفع معدل البطالة بنهاية العام ليقترب من 6%. وأشار إلى شركة Block التي أعلنت مؤخرًا عن تسريح 40% من موظفيها بسبب تبني حلول الذكاء الاصطناعي كدليل على أن هذه الظاهرة ليست مجرد فرضية نظرية. كما أن بيانات التوظيف غير الزراعية الأمريكية لشهر فبراير، التي سجّلت انخفاضًا غير متوقع بلغ 92 ألف وظيفة، دقّت جرس إنذار مبكر لسوق العمل، وزادت من مخاوف السوق بشأن احتمال دخول الاقتصاد في ركود.





