شهدت الأسواق المالية العالمية يوم الخميس تذبذبات حادة، حيث تداخلت المخاطر الجيوسياسية وتقارير الأرباح لشركات التكنولوجيا العملاقة مع تعديلات السياسات النقدية للبنوك المركزية الرئيسية، مما أعاد تشكيل مشاعر المستثمرين. ورغم وجود تيارات دبلوماسية خفية وراء التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أن تأثيره على سوق الطاقة أصبح واضحاً؛ فعلى الرغم من أن شركة "أوراكل" قدمت نتائج ربع سنوية مبهرجة، إلا أن خطط الإنفاق الرأسمالي الضخم دفعت أسواق رأس المال إلى التصويت بالقدم؛ وفي الوقت نفسه، بدأ البنك المركزي الأوروبي دورة رفع أسعار الفائدة بشكل مفاجئ، سعياً لإيجاد نقطة توازن جديدة بين التضخم والنمو.
في منطقة الشرق الأوسط، نفذ الجيش الأمريكي وإيران ضربات جوية متبادلة ليومين متتاليين، مما أدى إلى تصعيد سريع للتوترات. وأكدت القيادة الوسطى الأمريكية تنفيذ ضربات دفاعية ضد منشآت الاستطلاع العسكري وأنظمة الدفاع الجوي داخل الأراضي الإيرانية، بينما أعلنت الحرس الثوري الإسلامي الإيراني أنها دمرت أهدافاً لقواعد عسكرية أمريكية في عدة مواقع بالشرق الأوسط، مما دفع الكويت لإغلاق مجالها الجوي مؤقتاً ورفع البحرين إنذار الدفاع الجوي. والأهم من ذلك، أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز، وهو ما أشعل أسعار النفط الدولية فوراً. وعلى الرغم من تسرب معلومات لاحقة تفيد بأن الولايات المتحدة نجحت في مرافقة عدد كبير من السفن التجارية بنجاح، وأن المفاوضات السلمية لا تزال مستمرة، فإن قلق السوق بشأن انقطاع الإمدادات لا يزال ملحوظاً. وتأثيراً على ذلك، قفزت أسعار النفط الخام العالمية في الجلسة الصباحية لتتجاوز 93 دولاراً، ثم عادت للانخفاض مع أخبار تهدئة المفاوضات، حيث سجلت عقود نفط برنت و"وايت إي تي" المستقبلية انخفاضات متفاوتة، مما يعكس التلاعب المتكرر للسوق تجاه وضع "القتال والتفاوض" في آن واحد.
فيما يتعلق بسوق الأسهم الأمريكية، أظهر تقرير شركة "أوراكل" المالي نموذجاً كلاسيكياً لـ "المشاعر المختلطة". تجاوزت إيرادات الشركة وأرباحها الربع الرابع توقعات وول ستريت، ونمت إيرادات البنية التحتية السحابية بشكل يقارب الضعف، كما قفز إجمالي الالتزامات المتبقية لتنفيذ العقود أكثر من ثلاثة أضعاف مقارنة بالعام السابق، مما يدل على قوة الطلب في مجال الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، فإن التكلفة الداعمة لهذا النمو المرتفع هي استثمارات رأسمالية ضخمة. وكشف التقرير عن زيادة كبيرة في المصاريف الرأسمالية للشركة خلال السنة المالية، وتحول التدفق النقدي الحر إلى سالب، بالإضافة إلى الخطة المستقبلية لسنة واحدة لتمويل بناء مراكز البيانات بحوالي 40 مليار دولار عبر الديون وحقوق الملكية. هذه الاستراتيجية التي تضحي بالتدفق النقدي قصير الأجل لصالح البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، أثارت مخاوف عميقة لدى المستثمرين بشأن الاستدامة المالية، خاصة مع مراعاة تركيز بعض الطلبات بشكل عالٍ على عميل واحد، مما أدى إلى انخفاض حاد في سعر السهم أثناء التداول خارج ساعات العمل، متفوقاً بشكل أقل بكثير من المؤشرات العامة للسوق.
في أوروبا، اختار صانعو القرار في البنوك المركزية موقفاً أكثر تشدداً. أعلن البنك المركزي الأوروبي رسمياً رفع سعر فائدة أدوات الودائع إلى 2.25%، وهي أول زيادة في الأسعار منذ ثلاث سنوات. وصُفت القرارات بأنها إجراءات وقائية لمواجهة ضغوط التضخم الناتجة عن صدمات أسعار الطاقة، بهدف استقرار توقعات السوق وليس مجرد الاستجابة لاتجاهات الأسعار الخارجة عن السيطرة فقط. ولا يزال معدل التضخم في منطقة اليورو مرتفعاً، لكن الأساسيات الاقتصادية ليست راسخة، حيث جعل ضعف طلبات المصانع الألمانية واحتمال تدهور النشاط الصناعي هذا القرار مثيراً للجدل. ويعتقد بعض الآراء أن رفع الأسعار في ظل الركود الاقتصادي قد يشكل خطأً سياسياً، لكن البنك المركزي أكد داخلياً أن الطبيعة العالمية لصدمات الطاقة تجعل اتخاذ الإجراء ضرورياً. ويتوقع السوق بشكل عام حدوث خطوات إضافية لرفع الأسعار خلال العام الحالي، وقد يأتي القرار التالي في الخريف.
بالنظر إلى المستقبل، سيستمر تقاطع هذه القوى الثلاث في توجيه اتجاه السوق. فمسار الوضع في الشرق الأوسط يحدد مدة استمرار علاوة الطاقة، وما إذا كانت موجة تمويل شركات التكنولوجيا العملاقة ستصبح قاعدة عادية للصناعة لا يزال قيد الملاحظة، بينما يوفر رفع أسعار الفائدة الأول للبنك المركزي الأوروبي مرجعية سياسية جديدة للاقتصادات الكبرى الأخرى. ومع اقتراب تقرير الوظائف غير الزراعية الأمريكية واجتماع السياسة النقدية للفيدرالي، قد تشهد تدفقات الأموال العالمية ومنطق تخصيص الأصول نافذة جديدة للتعديل.





