تراهن المؤسسات المالية السائدة في وول ستريت حالياً على أن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سيعيد عملية رفع أسعار الفائدة هذا العام، غير أن أصواتاً مخالفة تماماً بدأت تظهر في أعماق السوق. وتشير وجهات نظر سوقية إلى أنه رغم الارتفاع الظاهري لبيانات التضخم الأمريكية مؤخراً، إلا أنه عند اعتماد معايير القياس المفضلة لدى المسؤولين داخل الفيدرالي، فإن التضخم يظهر في الواقع تبريداً واضحاً، مما يعني أن السوق قد يكون مخطئاً بشأن ضرورة تشديد السياسة النقدية بشكل أكبر.
وتتوقع العديد من المؤسسات، بما في ذلك بنوك كبرى، أن يقوم الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بمقدار خمس وعشرين نقطة أساس في كل من سبتمبر وأكتوبر وديسمبر، ليبلغ إجمالي الرفع خلال العام خمساً وسبعين نقطة أساس، وذلك بسبب التعريفات الجمراكية والوضع الجيوسياسي وتقلبات أسعار النفط. لكن التحليلات السوقية الأخيرة ترى أن احتمال عدم تحقق هذا التوقع المتشدد آخذ في الازدياد. فالبيانات التضخمية المنشورة مؤخراً أرسلت في الواقع إشارات إيجابية، مما يشير إلى أن المرحلة التي شهدتها أمريكا من التضخم السريع قد تكون انتهت بدلاً من أن تكون في بداية جولة جديدة.
ويبدو أن سوق السندات قد عكس بالفعل هذا التغيير في التوقعات. فرغم ارتفاع مؤشر أسعار النفقات الاستهلاكية الشخصية الأساسي إلى مستويات قياسية حديثة، مما يعزز ظاهرياً مبررات رفع الفائدة، فإن عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل سنتين، الأكثر حساسية للسياسة النقدية، شهد انخفاضاً بعد نشر البيانات. وهذا يشير إلى أن المستثمرين لم يفسروا تقرير التضخم على أنه إشارة لاقتراب المزيد من رفع الفائدة، بل يعتقدون بدلاً من ذلك أن أسوأ توقعات التضخم قد تم استيعابها بالكامل من قبل السوق.
ويتمثل الخطأ الجوهري في السوق في تجاهل مؤشرات التضخم التي يركز عليها فعلياً بعض مسؤولي الفيدرالي. فبينما يركز معظم المستثمرين على مؤشر أسعار النفقات الاستهلاكية الشخصية الأساسي الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، إلا أن هذا المؤشر لا يزال عرضة للتأثر بتقلبات الأسعار الشاذة لعدد قليل من السلع. وفي المقابل، يميل المسؤولون داخل الفيدرالي إلى المرجعية لمؤشر أسعار النفقات الاستهلاكية الشخصية متوسط القيمة المقلمة الذي يعدّه فرع الاحتياطي الفيدرالي في دالاس. ولا يستبعد هذا المؤشر الغذاء والطاقة فحسب، بل يستبعد أيضاً السلع والخدمات ذات التقلبات السعرية الأكبر شهرياً، مما يعكس اتجاه التضخم الكامن بدقة أكبر. وهناك حالياً فجوة كبيرة بين المؤشرين، حيث تظهر بيانات المتوسط المقلم أن معدل التضخم أقل بكثير من المؤشر الأساسي، مما يوحي بأنه إذا أعطى صانعو السياسات أهمية أكبر للأخير، فإن وضع التضخم في أمريكا ليس خطيراً كما يتخيل السوق.
كما أطلق العديد من مسؤولي الفيدرالي إشارات للصبر مؤخراً. فيتوقع رئيس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك استمرار انخفاض التضخم خلال الأرباع القادمة، معتبراً أن السياسة النقدية الحالية كافية لتحقيق الأهداف. كما أشار رئيس فرع سانت لويس سابقاً إلى أن الفيدرالي مستعد للتحلي بالصبر عند مستويات الفائدة التقييدية الحالية. ومن الجدير بالذكر أنه عند الإدلاء بتلك التصريحات كانت أسعار النفط العالمية لا تزال مرتفعة، بينما انخفضت حالياً بشكل كبير، مما خفف من ضغوط التضخم المستقبلية انخفاض أسعار الطاقة. وفي الوقت نفسه، فإن استمرار قوة الدولار، واستمرار تقلص ميزانية الاحتياطي الفيدرالي، بالإضافة إلى بقاء أسعار الفائدة الأمريكية أعلى بشكل واضح من معظم الاقتصادات المتقدمة، كل هذه العوامل تعني أن الفيدرالي لا يواجه حاجة ملحة لمزيد من رفع الفائدة.
ويرى تحليل السوق أن هذا لا يعني أن الفيدرالي سيخفض الفائدة قريباً، لكن الرفع المتتالي للفائدة الذي يراه السوق حالياً قد لا يحدث أبداً. وإذا قام السوق في النهاية بتصحيح هذا التوقع، فقد تشهد الأسهم الأمريكية محفزاً جديداً للصعود. ولا سيما قطاعات العقارات والمرافق والتكنولوجيا الحساسة لأسعار الفائدة، فعندما يتوقف المستثمرون عن القلق من مخاطر رفع الفائدة، فإن الأسهم التي تعاني حالياً بسبب توقعات الفائدة المرتفعة قد تصبح بدلاً من ذلك القوة القائدة للصعود السوقي في الجولة القادمة.





