انخفض سعر صرف الين الياباني مقابل الدولار الأمريكي إلى أدنى مستوى له منذ أربعين عاماً، حيث تتركز أنظار السوق الآن على الإجراءات المحتملة التي قد تتخذها الحكومة اليابانية للتدخل في سوق الصرف بهدف دعم عملتها المحلية الضعيفة. وتشير بعض التحليلات إلى أن يوم الجمعة الموافق لعطلة عيد الاستقلال الأمريكية قد يكون التوقيت الأمثل للقيام بهذا التحرك. تاريخياً، تميل الحكومة اليابانية إلى اتخاذ إجراءاتها في الفترات الزمنية التي تعظم فيها فعالية التدخل، وخلال العطلات الأمريكية تغلق الأسواق وتقل أعداد المتداولين في البنوك، مما يعني انخفاض السيولة في السوق، وبالتالي قد تتمكن السلطات من تحقيق تأثير أكبر باستخدام أموال أقل.
وتذهب التحليلات إلى أبعد من ذلك، مشيرة إلى أنه في حال اختيار يوم الجمعة للتحرك، يمكن لليابان تجنب حدثين مهمين قد يؤديان إلى رفع قيمة الدولار، بما في ذلك خطاب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وإعلان بيانات الوظائف غير الزراعية، مما يقلل من تأثير الرسائل المتشددة على فعالية التدخل. وقد لامس سعر الين الحالي أدنى مستوياته منذ عام 1986، مقترباً من النقاط التي تشكلت بعد توقيع اتفاقية البلازا آنذاك، والتي هدفت إلى خفض قيمة الدولار لتخفيف العجز التجاري المتوسع في الولايات المتحدة.
ومن جهتها، شددت السلطات مراراً على أن استمرار انخفاض قيمة الين يرفع تكاليف الواردات وأعباء المعيشة على السكان. وللتخفيف من هذا الضغط، تضطر الحكومة اليابانية إلى اتخاذ إجراءات دعم لتخفيف الأعباء عن الشركات والأسر، لكن هذا يزيد من مخاوف السوق بشأن الإنفاق المالي الياباني. وفقاً للإحصاءات، تمتلك اليابان احتياطيات من العملات الأجنبية تبلغ حوالي 1.1 تريليون دولار. وتتوقع السوق أنه في حال تنفيذ التدخل، فإن حجم شراء الين قد لا يتجاوز ثلث إجمالي الاحتياطيات، وإلا قد يرى السوق أن قوة التدخل مفرطة، مما يقوض مصداقية السياسة المتبعة.
وهناك تحذيرات أخرى تشير إلى أن التدخل المستمر لأكثر من ثلاثة أيام قد يؤثر على تصنيف صندوق النقد الدولي لنظام سعر صرف الين. وفي هذه الحالة، قد يتم خفض تصنيف الين من "العائم الحر" إلى "العائم المدار"، مما يؤثر على سمعة اليابان كدولة مصدرة لعملة احتياطية وعلى تصنيفها الائتماني. ومع ذلك، تدرك السلطات جيداً أن إجراءات التدخل يمكنها فقط إبطاء سرعة الانخفاض دون عكس الاتجاه طويل الأمد. تشير الخبرة التاريخية إلى أن اليابان نجحت في أغسطس 2024 في دفع الين للارتفاع مؤقتاً، لكن الصعود استمر لأسابيع فقط. وفي ذلك الوقت، قدم الاحتياطي الفيدرالي دعماً إضافياً للين بعد أن بدأ لاحقاً دورة لخفض أسعار الفائدة.
ويقول محللو السوق إن فارق أسعار الفائدة المستمر بين الولايات المتحدة واليابان لا يزال السبب الجذري وراء كبح جماح الين. وقد تفاقم هذه المشكلة بشكل خاص بعد الإشارات الأخيرة الأكثر تشدداً من رئيس الاحتياطي الفيدرالي. ولا يزال بنك اليابان بطيئاً في التعامل مع التضخم، ورغم رفع الأسعار مؤخراً، لا تزال مستويات الفائدة في اليابان أقل بشكل واضح منها في الولايات المتحدة، وتستمر ميزة فارق الأسعار في دفع المستثمرين لاقتراض الين منخفض الفائدة وشراء الأصول الدولارية عالية العائد، مما يزيد من ضغوط انخفاض الين.
ورغم تشدد وجهات النظر قصيرة الأجل، هناك توقعات بأن يعود سعر صرف الدولار مقابل الين إلى مستوى 158 بحلول نهاية العام الحالي، مما يعني أن للين مساحة ارتفاع بنسبة 2% تقريباً مقارنة بالمستويات الحالية. وفي الوقت نفسه، تظهر تسعيرات سوق خيارات الصرف الأجنبي أن السوق تتوقع حالياً أن احتمال انخفاض الين الإضافي إلى 165 مقابل الدولار لا يزال مرتفعاً عند 37%، مما يعكس ميل المستثمرين إلى التشاؤم بشأن الاتجاه القصير الأجل للين. وخلال جلسة تداول يوم الثلاثاء، ارتفع الدولار مقابل الين إلى 162.38 نقطة، بينما انخفض الين بنسبة 3.23% منذ بداية العام حتى الآن، وبلغت نسبة انخفاضه التراكمي خلال العام الماضي حوالي 13%.





