رغم التقلبات الحادة الأخيرة في أسعار الذهب العالمية، فإن حماس البنوك المركزية العالمية للاحتياطيات الذهبية لم يتراجع بل ازداد. يشير أحدث تقرير للمستثمرين العموميين العالميين الصادر عن منتدى المؤسسات النقدية والمالية الرسمية إلى أنه في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتزايد المخاوف بشأن الديون السيادية وتحول النظام النقدي الدولي نحو التعددية القطبية، فإن الذهب يرسخ مكانته كأصل احتياطي مفضل للبنوك المركزية.
شمل هذا الاستطلاع 74 بنكًا مركزيًا تدير أصولًا تتجاوز 10 تريليونات دولار. تظهر البيانات أن نسبة البنوك المركزية التي تحتفظ بالذهب المادي بلغت 82%، بزيادة 11 نقطة مئوية عن العام السابق. كما يخطط صافي 30% من المؤسسات المستمرة لزيادة تخصيص الذهب خلال سنة إلى سنتين مقبلتين، مما يجعل الذهب الخيار المفضل بين جميع فئات الأصول الاحتياطية. حتى مع ارتفاع التكاليف المصاحبة للمستويات التاريخية الجديدة، يحافظ مديرو الاحتياطيات على توقعات طلب قوية.
تظهر آراء السوق أن أكثر من 60% من البنوك المركزية المتوقعة تتوقع أن يرتفع سعر الذهب إلى نطاق 5000 إلى 6000 دولار للأونصة بحلول منتصف عام 2027. فقط قلة قليلة أشارت إلى أن الأسعار الحالية ستثبط الرغبة في الشراء. أشار الاستطلاع إلى أن الزيادة الكبيرة في نسبة الاحتفاظ بالذهب المادي هي أحد النتائج الأساسية لهذا التقرير، وهذا الاتجاه يتعزز سنويًا. الوضع الدولي المعقد يعزز أمان الذهب كأصل احتياطي نقدي، وفي وجه الصدمات الجيوسياسية وعدم اليقين العالمي، يُعتبر الذهب أصلًا آمنًا لا غنى عنه على المدى القصير.
تنويع الأصول هو الدافع الأول، لكن وزن العوامل الجيوسياسية يرتفع بسرعة. أكثر من نصف مديري الاحتياطيات قالوا إنهم يملكون الذهب لمواجهة المخاطر الجيوسياسية، وهذه النسبة ارتفعت مقارنة بالسنوات السابقة. مقارنة بالنزاعات التجارية السابقة، البنوك المركزية قلقة أكثر من وضع الشرق الأوسط وعدم يقين السياسة الخارجية الأمريكية وأمن الطاقة. الأغلبية صنفت نزاع الشرق الأوسط كمصدر خطر أكبر، وتعتقد أن السياسة الأمريكية فيها تقلبات كبيرة.
تحت إجماع تحول النظام النقدي العالمي نحو التعددية القطبية، رغم أن الدولار سيحتفظ بمكانته كعملة احتياطية رئيسية بفضل السيولة، إلا أن المزيد من البنوك المركزية تتوقع خفض حصة أصول الدولار خلال العقد القادم. هذا الاتجاه لم يعد مقتصرًا على الأسواق الناشئة بل أصبح سمة عالمية. البنك المركزي الأوروبي مساحة محدودة بسبب الاحتياطيات العالية، بينما مناطق مثل أفريقيا تميل لزيادة نسبة الذهب المادي.
فيما يتعلق بتخصيص الأصول المستقبلي، عصر أولوية زيادة السندات الحكومية يمر، ويتجه الاهتمام نحو سندات الشركات، ثم الذهب، ثم الأسهم المدرجة. هذا يعكس تغيرًا في فلسفة إدارة الاحتياطيات، حيث يبقى حفظ رأس المال الهدف الأول، لكن مع طول أمد المخاطر الجيوسياسية، تدرك البنوك المركزية ضرورة التنويع لرفع مرونة المحفظة وتحقيق عائد مناسب. هذا تغير هيكلي ليس صدمة قصيرة الأجل بل اتجاه يحتاج إلى تعامل طويل الأمد، وتقوم البنوك المركزية بتعديل هيكل الأصول لتتكيف مع البيئة المالية المستقبلية الأكثر تعقيدًا.





