مع استمرار ضعف الين، تتحول اليابان تدريجياً إلى وجهة منخفضة التكلفة بين الاقتصادات الرئيسية العالمية. أظهرت أحدث تصنيفات تكلفة المعيشة الصادرة عن مؤسسات مالية دولية أن طوكيو دخلت قائمة أرخص المدن الرئيسية عالمياً. تشير البيانات إلى أن إيجار شقة ثلاث غرف هناك يعادل ربع إيجارها في نيويورك فقط، كما أن تكلفة شراء بعض المنتجات الاستهلاكية الإلكترونية تقع عند أدنى المستويات عالمياً. وفي ظل خلفية تواجه فيها الأصول الخارجية التي تمتلكها المؤسسات اليابانية والبالغة تريليونات الدولارات احتمالية عودة محتملة، بدأت السوق تناقش ما إذا كان نمط ضعف الين المستمر لأكثر من عقد يقترب من نقطة تحول.
أشار تقرير المسح الذي غطى عشرات المدن عبر ست قارات إلى أنه بينما لا تزال زيورخ وجنيف تحتلان موقعي المدن الأعلى تكلفة معيشة، وتحتل نيويورك وسان فرانسيسكو المراكز الخمسة الأولى، إلا أن التغيير في اليابان كان الأبرز. يرى المحللون الاستراتيجيون أن اليابان تمر بإعادة تسعير هيكلية ملحوظة، وأصبحت طوكيو منطقة منخفضة الأسعار بين المدن الرئيسية عالمياً. وبالإضافة إلى الإيجارات، تعتبر طوكيو أيضاً واحدة من أرخص المدن الرئيسية عالمياً من حيث تكلفة شراء الهواتف الذكية بعد احتساب العوامل الضريبية. بل إن أسعار المطاعم المحلية هناك أقل من بعض مدن أوروبا الشرقية، وتقل تكلفة تناول الطعام بنحو الثلثين مقارنة بنيويورك أو زيورخ. وعلى النقيض من الولايات المتحدة التي أصبحت أكثر تكلفة مقارنة بجميع الاقتصادات الرئيسية تقريباً، أصبحت اليابان الاستثناء الأبرز في هيكل تكلفة المعيشة العالمية.
السبب الجوهري وراء انخفاض تكلفة المعيشة في اليابان هو التباين الواضح بين انخفاض قيمة الين والتضخم المحلي. منذ عام ٢٠١٢، حافظ بنك اليابان على أسعار فائدة منخفضة جداً لفترة طويلة، وضغط على تكاليف التمويل عبر سياسات القمع المالي. في الوقت نفسه، ارتفعت أسعار الفائدة في الولايات المتحدة والاقتصادات الرئيسية الأخرى وتجهت نحو التطبيع، مما وسع الفارق في الأسعار بين اليابان والأسواق الخارجية. خلال هذه العملية، انخفضت قيمة الين بنحو النصف، بينما ارتفعت الأسعار المحلية في اليابان بنحو ٢٠٪ فقط. هذا يعني أنه عند التسعير بعملات أجنبية مثل الدولار، انخفضت أسعار السلع والخدمات والعقارات في اليابان بشكل كبير، مما شكل التقييم المنخفض للغاية الحالي لليابان من حيث تعادل القوة الشرائية.
جعلت أسعار الفائدة المنخفضة والانخفاض المستمر الين واحدة من عملات التمويل الأكثر شعبية في صفقات المراجحة النقدية عالمياً على المدى الطويل. تشير صفقات المراجحة بالين إلى قيام المستثمرين بالاقتراض بالين منخفض الفائدة، ثم استثمار الأموال في عملات وأصول ذات عائد أعلى وعملة أقوى نسبياً. تقديرات السوق لحجم هذا النوع من التداولات تتراوح عادة بين ٥٠٠ مليار دولار إلى تريليون دولار أمريكي فأكثر. طالما بقيت أسعار الفائدة اليابانية منخفضة واستمر ضعف الين، فإن هذه التداولات ستحتفظ بجاذبية قوية. ولكن بمجرد بدء عودة الأموال اليابانية على نطاق واسع، أو دخول الين في دورة ارتفاع مستمرة، قد يضطر المستثمرون إلى إغلاق مراكزهم، مما يسرع من شراء الين ويدفع إعادة تسعير الأصول العالمية. تعتقد العديد من مؤسسات البحث أن عودة رأس المال الياباني قد تكون العامل الرئيسي في تغيير مسار الين.
أصدر وزير المالية الياباني إشارات مؤخراً تفيد بأن الحكومة قد تفكر في تعديل تخصيص أصول صناديق التقاعد العامة، وزيادة نسبة الاستثمار في الأصول المحلية. يقدر بعض الاستراتيجيين أن المؤسسات اليابانية تمتلك حالياً حوالي ٣.٤ تريليون دولار من الأصول الخارجية. إذا دفعت السياسة جزءاً من هذه الأموال للعودة إلى اليابان، قد يصل حجم العودة المحتملة إلى ٤٠٠ إلى ٤٥٠ مليار دولار، أي ما يعادل حوالي ١٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي الياباني. هناك اقتصاديون يقدمون تقديرات أكثر جذرية، معتقدين أن حجم الأصول الخارجية التي تمتلكها المؤسسات اليابانية قد يصل إلى ٧ تريليونات دولار، بينما نسبة تخصيصها للسندات الحكومية اليابانية تبلغ حوالي ٢٥٪ فقط. تفكر الحكومة اليابانية في تضمين السندات الحكومية اليابانية في خطط استثمارية معفاة من الضرائب أكثر شعبية، وإذا استطاعت الحكومة الحفاظ على استقرار السياسة، فقد تشجع مستقبلاً صناديق التقاعد وشركات التأمين والمؤسسات المستثمرة الأخرى المحلية على زيادة تخصيصها للأصول المحلية اليابانية. هذا يعني أن عودة رأس المال لا تتطلب بالضرورة رفع بنك اليابان لأسعار الفائدة بشكل كبير، فمجرد التعديلات في المعاشات والتفضيلات الضريبية وقواعد تخصيص الأصول، قد يتشكل طلب شراء كبير على الين.
بالإضافة إلى عودة الأموال، قد يصبح الذكاء الاصطناعي متغيراً مهماً في تغيير الآفاق الاقتصادية طويلة الأجل لليابان. أحد التحديات الهيكلية الأساسية التي تواجه الاقتصاد الياباني هو شيخوخة السكان والاستمرار في انخفاض القوى العاملة. هذا لا يسبب نقصاً في العمالة فحسب، بل يحد أيضاً من نمو الاقتصاد المحتمل. يرى التحليل أن تقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على تعزيز الإنتاجية تمتلك جاذبية اقتصادية وسياسية قوية بشكل خاص في اليابان. اقترحت الحكومة اليابانية أن تصبح واحدة من الدول الأكثر دعماً لتطوير الذكاء الاصطناعي عالمياً، وقاعدتها الصناعية المتطورة وصناعة الروبوتات والنظام الصناعي توفر مزايا لبنية الذكاء الاصطناعي التحتية والتطبيقات التجارية. إذا استطاع الذكاء الاصطناعي التخفيف من نقص العمالة، وتحسين كفاءة إنتاج الشركات، وتحفيز الإنفاق الرأسمالي المحلي، فقد يتحسن نمو الاقتصاد الياباني طويل الأجل وعائد الأصول. هذا سيزيد من جاذبية الأصول المحلية اليابانية للمؤسسات المحلية، ويدعم بشكل إضافي عودة الأموال وإصلاح تقييم الين.
على الرغم من أن تعادل القوة الشرائية يظهر أن الين منخفض التقييم بشكل واضح، إلا أن رخص التقييم بحد ذاته لا يضمن انتعاشاً قصير الأجل لسعر الصرف. يعتمد ما إذا كان الين سيتمكن حقاً من الانعكاس على عدة شروط، بما في ذلك ما إذا كان بنك اليابان سيواصل دفع تطبيع السياسة النقدية، وما إذا كان الفارق في الأسعار بين الولايات المتحدة واليابان سيتمكن من الضيق، وما إذا كانت المؤسسات اليابانية ستعدل فعلياً تخصيص الأصول الخارجية، وما إذا كان المستثمرون الدوليون سيبدأون في إغلاق صفقات المراجحة بالين بشكل مركزي. بالإضافة إلى ذلك، لم تختفِ المشكلات طويلة الأجل مثل الهيكل السكاني في اليابان، والأعباء المالية، وضعف الطلب المحلي. حتى مع عودة رأس المال تدريجياً، قد تكون عملية إصلاح الين تدريجية، وليس ارتفاعاً أحادي الجانب مفاجئاً. ومع ذلك، مع توسع نطاق انخفاض تقييم الين باستمرار، تتزايد حساسية السوق لعودة رأس المال الياباني. بمجرد حدوث تغييرات واضحة في السياسة أو أسعار الفائدة أو تدفقات الأموال، قد تضخم مراكز المراجحة الضخمة تقلبات الين.





