تشير أحدث التوقعات الاقتصادية إلى أن قضية التضخم ستشكل الشغل الشاغل للاحتياطي الفيدرالي خلال بقية عام ٢٠٢٦، لكن ذلك لا ينذر بتحول فوري في السياسة النقدية. ويرى السوق أن القيادة الجديدة للاحتياطي الفيدرالي ستفضل على الأرجح الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، وذلك لأن صناع القرار لا يزالون يراقبون كيفية انتقال الضغوط السعرية الخارجية، مثل التعريفات الجمركية وصدمات الطاقة، إلى مستويات التضخم الأساسي.
ويرى محللون، منهم من شغل سابقاً منصب كبير الاقتصاديين في مؤسسات اقتصادية كبرى، أن دالة الاستجابة الحالية للاحتياطي الفيدرالي تميل بوضوح نحو التضخم على المدى القصير وحتى الأطول، وذلك مرتبط بعدم عودة التضخم إلى المستوى المستهدف خلال السنوات الخمس الماضية. وقد جاءت ضغوط الأسعار خلال العامين الماضيين في أساسها من التعريفات الجمركية وصدمات الطاقة، بينما يحتاج الاحتياطي الفيدرالي إلى التمييز بين الصدمات الخارجية لمرة واحدة وقوى التضخم المحلية المنشأ. والجدير بالملاحظة حالياً هو أن قوى التضخم المحلي لم تسجل ارتفاعاً ملحوظاً. ويشكل الإسكان وزنًا بنحو ٣٥٪ في مؤشر أسعار المستهلك، بينما تظهر المؤشرات الوقتية أن تضخم الإسكان قد يظل معتدلاً خلال الأشهر المقبلة، بل وقد يشهد بعض التراجع الطفيف. وفي الوقت نفسه، يتراوح نمو الأجور بين ٣٪ و٣.٥٪، وهو مستوى يتوافق مع هدف التضخم البالغ نحو ٢٪.
وبناءً على هذه التقييمات، يتوقع السوق أن يواصل الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، انتظاراً لتلاشي الضغوط السعرية الخارجية. ويعتبر اتخاذ موقف الانتظار والترقب نهجاً أكثر حذراً قبل الفهم الأوضح لكيفية انتقال هذه الصدمات الخارجية إلى التضخم الأساسي، وبالتالي تتضمن التوقعات فترة توقف ممتدة طوال عام ٢٠٢٦. وفي الحديث عن الحذر الذي يبديه رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد تجاه التوجيهات المستقبلية، ورفضه المشاركة في "مخطط النقاط"، يرى المحللون أن هذا النهج له ما يبرره في البيئة الاقتصادية الراهنة. فالتوجيهات المستقبلية أداة فعالة في بعض الحالات، لكنها غير مناسبة في ظل عدم اليقين العالي الحالي، حتى أن صانعي السياسات الذين يقرّون بدور التوجيهات المستقبلية لا يرون أن الوقت الحالي هو الأنسب لاستخدامها.
ومع ذلك، هناك أصوات تحذر من أن الرئيس الجديد قد يكون متشدداً أكثر من اللازم في بداية ولايته، مما قد يعرضه لقيود سياسية أكبر في المستقبل. وإذا جاءت قراءتا مؤشر أسعار المستهلك التاليتان أعلى من التوقعات، فإن السؤال الواقعي المطروح هو ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيضطر لاتخاذ إجراءات بسبب موقفه السابق المتشدد. فالبيانات الشهرية تتسم بتقلبات كبيرة، ولا ينبغي المبالغة في تفسير أداء شهر واحد، لكن في ظل توقعات متشددة قوية، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيتمكن من اختيار عدم رفع الفائدة إذا عاد التضخم للارتفاع. ومنذ اجتماع لجنة السوق المفتوحة التابعة للاحتياطي الفيدرالي، جاءت بيانات النفقات الاستهلاكية الشخصية الأساسية أفضل من التوقعات، وانخفضت أسعار النفط، وتم تعديل الناتج المحلي الإجمالي الأساسي بالخفض، كما كانت بيانات الوظائف غير الزراعية أضعف بشكل واضح من التوقعات، وهي عوامل لا تدعم رفع الاحتياطي الفيدرالي للفائدة في يوليو.
وفيما يتعلق بالذهب وتخصيصات احتياطيات البنوك المركزية العالمية، يرى الرأي السائد أن الصراعات الإقليمية كانت محفزاً لتسريع الدول عملية إزالة الدولرة وزيادة حيازات الذهب، لكن ما يدفع هذا الاتجاه للاستمرار فعلياً هو عدم اليقين في السياسات الأمريكية نفسها، وخاصة سياسات التجارة والعقوبات. فالأحداث السابقة دفعت الدول بالفعل للبحث عن تقليل الاعتماد على الدولار، لكن التقلب في السياسات الأمريكية بعد ذلك زاد من حدة هذا الاتجاه. ونظراً لأن الولايات المتحدة أصبحت أقل قابلية للتنبؤ في قضايا التجارة، فإن البنوك المركزية للدول الأخرى ستقلل بشكل طبيعي من تعرضها للدولار ضمن الحدود الممكنة، وتتحول لزيادة تخصيصات الذهب. ولم يلاحظ السوق عمليات بيع واسعة النطاق لأصول الدولار، بل الأكثر شيوعاً هو عدم تجديد الاستثمار في مراكز الدولار، وهو ما يشبه "الخروج الهادئ". ورغم تصاعد الشكوك حول السياسة التجارية الأمريكية ومسارها المالي، إلا أن القطاع الخاص الأمريكي لا يزال النظام الأكثر ديناميكية ومرونة وقدرة على الابتكار عالمياً، مما يعني أن الدولار سيحظى بدعم معين، وإن كان الطلب على الأصول الرسمية قد يضعف قليلاً.





