اتخذت الولايات المتحدة مؤخراً إجراءً نادراً للتدخل في سوق الصرف الأجنبي، يتمثل في بيع اليوروهات مباشرة لشراء الين الياباني. هذا الإجراء فاجأ البنك المركزي الأوروبي وشكل انحرافاً عن الصمت التواصلي طويل الأمد الذي حافظت عليه البنوك المركزية في الاقتصادات الغربية الكبرى. وكشفت مصادر السوق المطلعة على التفاصيل أن الجانب الأمريكي لم يطلع نظرائه في فرانكفورت على طبيعة العملية إلا بعد إغلاق جميع عمليات التداول وتسويتها بنهاية تداولات يوم الجمعة الماضي. وبناءً عليه، أجرى رئيس البنك المركزي الأوروبي اتصالاً هاتفياً مع المسؤول المالي الأمريكي خلال عطلة نهاية الأسبوع لمحاولة توضيح خلفية هذه العملية وأهدافها.
ونظراً لطابعها الأحادي وغياب التشاور المسبق، رأت عدة مستويات عليا في البنك المركزي الأوروبي أن هذا الإجراء يمثل انحرافاً جسيماً عن تقاليد التعاون المالي عبر الأطلسي. وعلى مدار الثلاثين عاماً الماضية، كانت السلطات النقدية الرئيسية في العملات الأوروبية واليابانية والأمريكية تعتمد عادةً على مشاورات مغلقة مكثفة للوصول إلى توافق في الآراء بشأن السياسات، والعمل بتكامل أو تمويل مشترك لاستقرار الأسواق في وجه تقلبات الأسعار الحادة. وقد وصف المصادر الداخلية عملية بيع اليورو التي نفذها بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك باستخدام صندوق استقرار العملة التابع لوزارة الخزانة الأمريكية بأنها غير مسبوقة ومأساوية في آن واحد. ويعرب بعض صانعي القرار الأوروبيين عن قلقهم من أن تجاوز آليات التنسيق التقليدية قد يقوض أساس الثقة الذي بنته البنوك المركزية على مدى عقود من أجل الحفاظ على الاستقرار المالي العالمي.
وفي ردها الرسمي على الانتقادات المحيطة بالحدث، أكدت وزارة الخزانة الأمريكية أن إعادة توزيع الأصول باستخدام صندوق استقرار العملة يدخل ضمن اختصاصاتها القانونية ولا يستلزم تنسيق المواقف مسبقاً مع الجهات الرقابية الأجنبية. وشددت واشنطن على أن هذا القرار استند أساساً إلى تقييمها المستقل لسيولة الدولار، وتقييم الأصول، والبيئة الاقتصادية الكلية للسوق. كما أشارت تقارير أخرى إلى أن اختيار واشنطن لليورو كأداة للتدخل بدافع رئيسي هو تجنب إرسال إشارات سلبية تجاه الدولار في السوق، بما يتماشى مع سياستها الرامية للحفاظ على قوة العملة الأمريكية. ورغم تمسك الجانب الأمريكي بالسرية التامة حول هذه العملية، إلا أن الأسواق المالية قد استجابت لها بسرعة كبيرة.
وتأثرت قيمة الين بشكل ملحوظ بفعل هذا التدخل بالتزامن مع دخول السلطات اليابانية الرسمية إلى السوق، حيث ارتدّت قيمته بقوة بعد أن سجلت أدنى مستوى لها منذ عام 1986 في مطلع الشهر الجاري. فقد تعافت عملة الين مقابل الدولار من مستويات تقترب من 164 إلى ما يقارب 158. ومع ذلك، لم تخفف مشاركة السوق من يقظتها. وأشار محافظ بنك اليابان مؤخراً، عقب اجتماع تحديد أسعار الفائدة، إلى أن صناع القرار بحاجة إلى مراقبة احتمالات ارتفاع التضخم عن كثب أكثر من أي وقت مضى، نظراً لضغوط الأسعار المحلية المستمرة. وفي الوقت الراهن، لا تتجاوز نسبة توقعات السوق احتمال تعديل بنك اليابان لأسعار الفائدة في الاجتماع النقدي المقبل الخمسين بالمائة. وفي الوقت ذاته، تواصل عوائد السندات الحكومية الأمريكية طويلة الأجل ارتفاعها، مما يعكس تحفظ المستثمرين حيال مسار خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قريباً. ورغم تراجع مؤشرات التضخم الأمريكية العام، إلا أنها لا تزال تتخلف بشكل ملحوظ عن الهدف الرسمي البالغ 2٪، مما يعني أن تعقيدات البيئة الاقتصادية الكلية ستستمر في التأثير على تدفقات رأس المال العالمية.





