مع تباطؤ مبيعات التجزئة في الولايات المتحدة، وتراجع سوق العمل، واستمرار انخفاض بيانات التضخم، تشهد توقعات وول ستريت بشأن السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي تحولاً ملحوظاً. وتظهر أحدث التقييمات المؤسسية أن احتمالات استمرار التشديد النقدي في اجتماع الشهر المقبل قد تضاءلت بشكل كبير بسبب البيانات الاقتصادية الضعيفة. في حين أن السوق كان يسعر هذا الأمر بميل تشددي مفرط في السابق، يقوم المتداولون الآن بتأجيل النافذة الزمنية المتوقعة لرفع الفائدة التالي إلى أوائل العام المقبل. وعلى صعيد تخصيص الأصول، لا تزال المؤسسات متفائلة بتسجيل الأسهم الأمريكية مستويات قياسية جديدة قبل نهاية العام، وتتوقع زيادة انحدار منحنى عوائد السندات الأمريكية. وفي أسواق الصرف، وفي ظل الاعتدال العام للتضخم العالمي، يُتوقع أن تحافظ العملات عالية العائد على زخمها القوي، حيث تظهر أزواج العملات مثل الدولار الأمريكي مقابل الدولار الكندي واليورو مقابل الفرنك السويسري فرص تداول جيدة.
وعلى الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، يسلك المسار السياسي للبنك المركزي الأوروبي إيقاعاً مختلفاً. وتتوقع الأسواق أن يقوم البنك المركزي الأوروبي برفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس للمرة الأخيرة في سبتمبر، مما يمثل على الأرجح نهاية دورة التشديد الحالية، مع توقع تحول السياسة نحو خفض الفائدة في منتصف العام المقبل. وتتوافق هذه التوقعات المتعلقة بالسياسة النقدية مع الاهتمام المتزايد بأسواق رأس المال الأوروبية. وعلى الرغم من أن ارتفاع مؤشر ستوكس 600 الأوروبي بنسبة 10% منذ بداية العام يعد أقل قليلاً من أداء مؤشر ستاندرد آند بورز 500 الذي ارتفع بنسبة 13.5%، إلا أنه على المدى الطويل وبالنظر إلى الأبعاد الشاملة، تفوقت الأسهم الأوروبية كبيرة الحجم فعلياً على نظيرتها الأمريكية.
وتوجد بعض التحيزات المسبقة تجاه الأصول الأوروبية في الأسواق، لكن أحدث التحليلات المتعمقة دحضت هذه المفاهيم الخاطئة. فقد تم المبالغة في المخاوف المتعلقة بتأثير السلع الصينية منخفضة التكلفة على الصناعة الأوروبية، حيث تأثرت القطاعات الأساسية ذات الأوزان الأكبر في السوق الأوروبي مثل الخدمات المالية والأدوية والتكنولوجيا والطاقة بشكل محدود جداً بهذه العوامل، في حين لا تتجاوز نسبة صناعة السيارات، التي تحظى باهتمام كبير، 1% من إجمالي القيمة السوقية في أوروبا. وفي الوقت نفسه، أظهر القطاع المالي الأوروبي، وخاصة أسهم البنوك، مرونة قوية، حيث تجاوز أداؤه العام بشكل ملحوظ أداء عمالقة التكنولوجيا السبعة في الولايات المتحدة منذ عام 2022. بالإضافة إلى ذلك، فإن التخلف النسبي لأوروبا في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وتطوير النماذج المتقدمة أصبح في بيئة السوق الحالية أداة تحوط فريدة، مما يوفر ملاذاً آمناً للأموال العالمية القلقة من فقاعة الذكاء الاصطناعي والمخاطر الجيوسياسية المرتبطة بها. وفي ظل الدعم المزدوج المتمثل في التقييمات المعقولة والمزايا الهيكلية للقطاعات، يظهر مؤشر ستوكس 600 الأوروبي ظروفاً سوقية مواتية لمواصلة زخمه القوي.





