بينما تحاول وول ستريت تحويل رقائق الذكاء الاصطناعي إلى أصول جديدة قابلة للتخصيص طويل الأجل، لاحظ بعض المراقبين الحادين في السوق بوادر أزمة محتملة. فقد أشار جيفري غوندلاخ، الرئيس التنفيذي لشركة "دبل لاين كابيتال" الاستثمارية المعروفة، إلى أن خطة التمويل الضخمة للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي والتي تتجاوز 500 مليار دولار، وتدعمها إنفيديا بالتعاون مع عدة مؤسسات مالية رائدة، قد تكون إشارة واضحة على أن أسواق المخاطر تقترب من ذروة دورتها. وقد تناول صلب المشكلة، مشككاً في أهلية أجهزة الحوسبة سريعة التطور لدعم الديون طويلة الأجل.
وتكمن نقطة الخلاف الرئيسية في مخطط التمويل الضخم الذي كشفته إنفيديا مؤخراً. حيث توصلت الشركة إلى اتفاقيات مبدئية مع "أبولو"، و"بلاك روك"، و"بلاكستون"، و"بروكفيلد لإدارة الأصول"، و"غولدمان ساكس"، و"كيه كيه آر"، بهدف إنشاء منصة تمويل مخصصة لجمع أكثر من 500 مليار دولار لبنية الذكاء الاصطناعي التحتية. وسيُستخدم هذا المبلغ الضخم بشكل أساسي لمساعدة الشركات على شراء رقائق إنفيديا وتوسيع مراكز الحوسبة. وتأمل المؤسسات المالية المشاركة في هذا التحالف في تعريف الحوسبة كأصول طويلة الأجل تشبه البنية التحتية التقليدية، وبالتالي جذب رؤوس الأموال طويلة الأجل مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين. وهذا يعني أن رقائق الذكاء الاصطناعي بدأت تتجرد تدريجياً من طابعها كمعدات تكنولوجية بحتة، ليتم تغليفها بعمق كأهداف مالية قابلة للتمويل، والرهن، وذات قيمة احتفاظ طويلة الأجل.
ومع ذلك، يرى غوندلاخ أن هناك ثغرة منطقية هائلة في استخدام الأجهزة سريعة التطور كضمانات للديون طويلة الأجل. وأوضح أنه على الرغم من الطلب القوي الحالي على رقائق الذكاء الاصطناعي وقدرتها على تحقيق عوائد مربحة، إلا أن سرعة تطورها التكنولوجي مذهلة. فقد يتم استبدال أفضل المعالجات الحالية تماماً بمنتجات الجيل الجديد في غضون بضع سنوات فقط. وإذا تم تحديد آجال طويلة للديون التمويلية، بينما تتقلص قيمة الضمانات بسرعة مع التطور التكنولوجي، فسيحدث عدم تطابق خطير بين العمر الفعلي للأصول ودورة الديون. بل إن غوندلاخ سخر من هذا الإجراء، مشبهاً إياه بإصدار أوراق مالية مدعومة بالأصول لأجل ثلاثين عاماً، بينما الضمانات الأساسية هي مجرد موزات ذات صلاحية غير معروفة. وأكد بصراحة أن خطة تحالف التمويل الضخمة هذه ستجد صعوبة في اجتياز اختبار الدورات الزمنية.
وفي إطار تحليل غوندلاخ، غالباً ما ترتبط مثل هذه الظواهر ببلوغ السوق لذروته الدورية. وأشار إلى أن التجارب التاريخية تظهر أنه عندما تكون السوق في مستويات قياسية، يدعي البعض دائماً أنهم ابتكروا فئة أصول جديدة تماماً، مدعومة بهندسة مالية معقدة وتقييمات ائتمانية مشكوك فيها. إن تسييل أصول حوسبة الذكاء الاصطناعي يحمل بالضبط هذه السمات النموذجية. وهذا لا يعني إنكاراً شاملاً للمدى البعيد لصناعة الذكاء الاصطناعي، بل هو تذكير للمستثمرين بأنه عندما تبدأ الأسواق المالية في زيادة الرافعة المالية بجنون حول أصل واحد شائع وتصميم هياكل تسييل معقدة، فإن المخاطر قد تكون انتشرت بهدوء من جانب تقييم الأسهم إلى سوق الائتمان.
وقد أعرب المستثمر الملياردير مارك كوبان عن تأييده لهذا الرأي، مشيراً بصراحة إلى أن الرقائق كفئة أصول قد تتحول إلى عملة مشفرة جديدة. وهذا يشير أيضاً إلى أن السوق يمنح الأجهزة طابعاً مالياً قوياً جداً، ويحاول بناء نظام تداول مضاربي جديد حول أسعارها وتمويلها. ويتوافق هذا الرأي مع التحذيرات السابقة للمستثمر الشهير مايكل بوري، الذي لطالما شكك في الإنفاق الرأسمالي الضخم لشركات التكنولوجيا الكبرى على رقائق الذكاء الاصطناعي، معتقداً أنه في ظل التطور التكنولوجي الجامح، قد تفقد بعض المعدات المشتراة بأسعار باهظة قيمتها الاقتصادية قبل انتهاء فترة إهلاكها.
وبتجرد الأمر من مظاهره، لا تكمن جوهر هذه المناقشة في التشكيك في استمرارية الطلب على الذكاء الاصطناعي، بل في العودة إلى مبدأ مالي كلاسيكي، وهو مدى تطابق آجال الأصول والخصوم. فإذا استمر الطلب على الحوسبة في الارتفاع بشكل كبير وظلت مراكز البيانات تعمل بطاقة استيعابية عالية، وكانت التدفقات النقدية الناتجة عن الرقائق كافية لتغطية تكاليف التمويل، عندها فقط يمكن أن يكون منطق تسييل الأصول متماسكاً. وعلى العكس من ذلك، إذا تجاوز التطور التكنولوجي التوقعات أو انخفضت تكلفة وحدة الحوسبة بشكل حاد، فإن معدل انخفاض القيمة المتبقية للمعدات القديمة سيكون أسرع بكثير من توقعات النماذج المالية للمؤسسات. وفي ذلك الوقت، قد يواجه المستثمرون مأزقاً حيث لم يتم سداد القروض بعد بينما تدهورت قيمة الضمانات بشكل كبير.
وفي الوقت الحالي، يشهد نمط الإنفاق الرأسمالي في مجال الذكاء الاصطناعي تحولاً عميقاً. فمع التوسع الأسي في حجم الاستثمار في البنية التحتية، يزداد تدخل الائتمان الخاص، وتمويل الأصول المدعومة، والمؤسسات الكبيرة لإدارة الأصول. إن ازدهار الذكاء الاصطناعي يتجاوز حدود أسهم التكنولوجيا، ليتسلل بعمق إلى أسواق السندات والائتمان. لقد تم الكشف عن مخطط التمويل البالغ 500 مليار دولار، وبدأت عجلة تسييل أصول الحوسبة في التسارع، بينما مخاطر الائتمان الكامنة وراء عدم تطابق الآجال تنتشر بهدوء نحو سوق السندات الأوسع، مع التعمق المتزايد للائتمان الخاص ومؤسسات إدارة الأصول.





