أصدر ديفيد روزنبرغ، الخبير الاقتصادي البارز ومؤسس ورئيس شركة "روزنبرغ ريسيرش"، تحذيراً مؤخراً، مشيراً إلى أن الضغوط التي يواجهها الدولار حالياً تتجاوز التقلبات الدورية المعتادة، وينزلق نحو سوق هابطة طويلة الأمد ذات طابع هيكلي. وعلى عكس منطق التداول في السوق الذي يراهن ببساطة على خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، يؤكد روزنبرغ أن المحرك الحقيقي لهذا الاتجاه يكمن في التآكل المستمر لثقة المستثمرين العالميين في قدرة الولايات المتحدة على التنسيق المالي والتجاري والدبلوماسي وفي سياساتها الشاملة.
وبالعودة إلى التاريخ، منذ انهيار نظام بريتون وودز في عام 1971، مر الدولار بما لا يقل عن 15 دورة هبوطية تجاوز انخفاضها 10%. ومع ذلك، فإن الوضع الحالي أكثر تعقيداً، حيث إن الفوضى في السياسات الداخلية الأمريكية تعمل على تسريع تآكل الثقة العالمية. فمن ناحية، يحاول البيت الأبيض تهدئة المخاوف المحلية بشأن تكلفة المعيشة قبل انتخابات منتصف الولاية، ومن ناحية أخرى، يشعل نزاعات تجارية مرة أخرى مع شركائه التجاريين الأساسيين، بل ويحافظ على حصار بحري صارم فيما يتعلق بقضية إيران، مما يواصل رفع المخاطر الجيوسياسية وأسعار الطاقة. وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، هناك انقسامات حادة داخل الاحتياطي الفيدرالي حول ما إذا كان سيستمر في تشديد السياسة، حيث يدعو بعض صناع القرار إلى المزيد من رفع أسعار الفائدة، مما قد يؤدي بسهولة إلى أخطاء في السياسة في ظل عدم التطابق بين النمو الاقتصادي المحتمل والطلب الفعلي. وفي الوقت نفسه، تحاول وزارة الخزانة خفض عوائد السندات طويلة الأجل من خلال توسيع عمليات إعادة شراء سندات الخزانة الأمريكية، مما يخلق توتراً دقيقاً مع الانضباط النقدي الذي يؤكده البنك المركزي.
هذا التناقض على مستوى السياسة يمس مباشرة نقاط الضعف الهيكلية في الاقتصاد الأمريكي. فقد انخفض معدل الادخار الشخصي في الولايات المتحدة حالياً إلى مستوى منخفض يبلغ حوالي 3٪، بينما بلغ العجز المالي أكثر من 6٪ من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الوقت نفسه، أدت موجة الذكاء الاصطناعي إلى توليد إنفاق رأسمالي ضخم للشركات، مما استنزف المزيد من السيولة المحلية. وفي ظل الوضع المحرج حيث يقترب معدل الادخار الوطني الصافي من الصفر، لا يمكن للعجز الحكومي والاستثمار للشركات إلا الاعتماد بشكل كبير على رأس المال الخارجي لسد الفجوة. وهذا يثير سؤالاً جوهرياً: عندما يطلب المستثمرون الأجانب علاوة مخاطرة أعلى، هل ستجذب الولايات المتحدة الأموال بأسعار فائدة مرتفعة، أم ستسمح بانخفاض سعر صرف الدولار للعثور على توازن جديد؟
وقد قدمت البيانات الجزئية لسوق رأس المال بعض الإجابات. حيث وجه روزنبرغ أنظاره إلى سوق سندات الخزانة الأمريكية، مشيراً إلى حدوث انعكاس ملحوظ في سلوك البنوك المركزية الأجنبية. فحتى منتصف هذا العام، تحولت المؤسسات الرسمية الأجنبية من صافي شراء سندات خزانة أمريكية بنحو 100 مليار دولار في عام واحد إلى صافي بيع بنفس الحجم، مما يمثل انعكاساً حاداً في تدفقات الأموال بلغ 200 مليار دولار. ونظراً لأن العجز في الحساب الجاري للولايات المتحدة يمثل حوالي 3٪ من إجمالي الاقتصاد، فإن هذا الانكماش في صافي تدفقات رأس المال الخارجي يعني أن النموذج الذي اعتمد عليه الدولار في الماضي لتعويض العجز التجاري من خلال فوائض الحساب الرأسمالي يواجه تحديات خطيرة.
إن السبب في بقاء عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل مرتفعة ليس ببساطة بسبب الخروج عن السيطرة في التضخم، بل لأن تقلبات السياسة التجارية، والصراعات الجيوسياسية، واحتياجات التمويل للذكاء الاصطناعي رفعت جميعها من علاوة المخاطرة. وتتنافس الشركات مع الحكومة الفيدرالية بشراسة على الأموال في سوق رأس المال لدعم استثمارات الحوسبة والبنية التحتية الضخمة. ويوصي روزنبرغ بأنه، لتخفيف ضغط ارتفاع أسعار الفائدة حقاً، يحتاج البيت الأبيض إلى تقديم خطة أكثر مصداقية للتقشف المالي وتهدئة الصراعات الجيوسياسية الخارجية. على سبيل المثال، فإن التعريفة الجمركية المقترحة بنسبة 50٪ على صادرات السيارات الكندية لن ترفع الأسعار المحلية فحسب، بل ستدمر أيضاً سلسلة التوريد في أمريكا الشمالية، بينما التدخل البسيط في سوق السندات أو تنفيذ عمليات سعر الصرف ليس حلاً جذرياً.
في ظل انخفاض علاوة الثقة في الدولار، تعمل البنوك المركزية العالمية على تسريع تنويع أصول الاحتياطي، حيث استحوذت مشترياتها من الذهب على حوالي ثلث الإمداد العالمي السنوي من التعدين. وعلى الرغم من أن هذا لن يقوض هيمنة الدولار على الفور، إلا أنه بالاقتران مع تحركات البنوك المركزية الأجنبية لبيع سندات الخزانة، فإنه يكفي لإظهار أن عصر الثقة غير المشروطة في أصول الدولار آخذ في التزعزع. ومن منظور التقييم، فإن اليورو والين الياباني يقل تقييمهما بنحو 10٪ وأكثر من 30٪ على التوالي، وهما يشكلان معاً حوالي 70٪ من وزن مؤشر الدولار. ومع احتمال دخول الولايات المتحدة في جمود مالي طويل الأمد لمدة عامين بعد انتخابات منتصف الولاية، سيدفع تضييق فروق أسعار الفائدة الأموال إلى إعادة تقييم هذه الأصول من العملات غير الأمريكية التي يقل تقييمها.
لا يتفق روزنبرغ مع نظرية الانهيار المتطرف للدولار، لكنه يؤكد أن فقدان الثقة الناتج عن تداخل العجز المالي، والنزاعات التجارية، والاحتكاكات الدبلوماسية، والخلافات حول إدارة الديون، يجعل الدولار يواجه دورة سوق هابطة طويلة وعميقة. وتشير التجارب التاريخية منذ عام 1971 إلى أن وضع العملة الاحتياطية العالمية لا يمكن أن يمنع الدولار من التعرض لدورات هبوطية إلى الأبد، وأن المستثمرين يشعرون حالياً بعودة هذه القوى الدورية بشكل مباشر.





