لم تمس تدخلات وزارة الخزانة الأمريكية الأخيرة في سوق الين وعوائد السندات طويلة الأجل، واللتان نفذتهما مرتين، جوهر نقاط الضعف في سوق الدولار والديون، بل كشفت عن الهشاشة الكامنة في نظام سندات الخزانة الأمريكية. وأشار أدريان داي، رئيس شركة أدريان داي لإدارة الأصول، إلى أن هذه الإجراءات لا تعالج المشكلة من جذورها فحسب، بل قد تجعل الذهب المستفيد النهائي.
وسبق أن أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت عن مضاعفة حجم إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل بمقدار الضعف على الأقل، مما أثار اهتماماً واسعاً في الأسواق العالمية. لكن في نظر داي، فإن التأثير الفعلي لهذه السياسة محدود جداً. فمن ناحية، يبدو حد إعادة الشراء الأدنى البالغ 400 مليون دولار ضئيلاً في سوق سندات الخزانة الأمريكية بأكمله؛ ومن ناحية أخرى، يمثل هذا مجرد استمرار للخطة القائمة في عهد يلين. والأكثر إرباكاً للسوق هو التناقض المنطقي الكامن وراءه، فإذا قامت وزارة الخزانة بشراء السندات وإلغائها، فإنها تقلل فعلياً من السيولة في الطرف الطويل، وعلى المدى القصير تساعد فقط بعض حاملي السندات على التخلص منها بنجاح.
والأهم من ذلك، أن عمليات إعادة الشراء هذه لا تقلل فعلياً من إجمالي المعروض من سندات الخزانة الأمريكية. غالباً ما يتم تعويض إعادة شراء السندات طويلة الأجل بزيادة الإصدار في الطرف القصير، ولم يتم التخفيف بشكل جوهري من حالة تخمة المعروض المستمر والمتزايد لسندات الخزانة الأمريكية التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً. وفي الوقت نفسه، يستمر المشترون التقليديون المستعدون لامتصاص هذه السندات في التراجع. سواء كانت روسيا المستبعدة من نظام الدولار، أو الصين التي تواصل تقليل حصصها، أو اليابان التي باعت سندات الخزانة الأمريكية في ربيعه وصيف هذا العام، فإن كل ذلك يؤكد انكماش الطلب. وهذا يفسر أيضاً سبب تدخل وزارة الخزانة لدعم الين، حيث يكمن الهدف العميق في استقرار المستثمرين المحليين في اليابان ومنعهم من بيع أصول سندات الخزانة الأمريكية.
وفي إعلان بيسنت، لم يكن المبلغ المحدد لإعادة الشراء هو ما يثير التفكير حقاً، بل عدم وجود سقف لهذه الخطة. وهذا التعبير الذي يفتقر إلى سقف يعني أن الحجم يمكن نظرياً أن يتوسع إلى ما لا نهاية. وتظهر الخبرة التاريخية أن التدخل في أسواق العملات أو السندات عادة ما يكون فعالاً فقط لفترات قصيرة جداً، ما لم تكن السلطات مستعدة لضخ أموال ضخمة ومتزايدة باستمرار.
وبغض النظر عن التقلبات قصيرة الأجل في السوق، لا يزال منطق الدعم الأساسي للذهب راسخاً. فقد سجلت أسعار الذهب في الفترة السابقة ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة 14% إلى 15% خلال شهر واحد، وكان هناك طلب متأصل على جني الأرباح. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإيران مؤخراً مما أدى إلى انتعاش أسعار النفط والدولار معاً، تعرض الذهب لضغوط على المدى القصير، كما وفرت تصريحات المسؤولين في اجتماع جاكسون هول فرصة للمستثمرين لجني الأرباح.
يكمن التناقض الأكثر جوهرية في السوق حالياً في حجم الديون الأمريكية الضخم وقدرة الاستيعاب المستمر لإصدار السندات. وطالما أن هذه المشكلة الهيكلية لا يمكن حلها بشكل مناسب، ستستمر قيمة الذهب كملاذ آمن في البروز. إن تدخلات الحكومة الأمريكية تطلق في جوهرها إشارات تتعارض مع الأهداف الأولية للسياسة، مما يكشف عن نقاط الضعف في نظام السوق نفسه. وإذا تعذر إصدار سندات الخزانة الأمريكية بأسعار معقولة، وفي ظل الواقع الذي يصعب فيه خفض الإنفاق المالي بشكل كبير ولا يمكن زيادة الضرائب بشكل ملحوظ، فإن الاحتياطي الفيدرالي سيضطر في النهاية إلى النزول وشراء السندات، وهذا الوضع سيؤدي مباشرة إلى ضغوط طويلة الأجل على الدولار، ويجلب مكاسب جوهرية طويلة الأجل للذهب.





