شهدت الأسواق المالية العالمية اضطرابات عنيفة يوم الخميس، حيث قفزت تكاليف الاقتراض طويلة الأجل في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوياتها في ما يقرب من عقدين، مما أدى إلى موجة بيع واسعة في أسواق السندات العالمية. وفي الوقت نفسه، أدت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية، مما زاد من مشاعر الميل إلى الملاذ الآمن والمخاوف من التضخم، لينتهي المطاف بالسوق إلى هبوط مزدوج في الأسهم والسندات.
وفي سوق السندات، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل بشكل ملحوظ. فقد صعد عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، والذي يُعد أهم مؤشر لأسعار الفائدة عالمياً، بمقدار 11 نقطة أساس ليصل إلى 4.95%، مقترباً من حاجز 5% النفسي الهام. في حين قفز عائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً، الأكثر حساسية لأسعار الفائدة طويلة الأجل، بمقدار 8 نقاط أساس ليصل إلى 5.37% مسجلاً أعلى مستوى له منذ عام 2007. بالإضافة إلى ذلك، بلغ عائد الإصدار في مزاد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً بقيمة 22 مليار دولار، والذي أجرته وزارة الخزانة الأمريكية في نفس اليوم، 5.308%، وهو ليس فقط أعلى من نسبة 5.216% في الشهر الماضي، بل يمثل أيضاً أعلى تكلفة تمويل منذ عام 2001. كما تعرضت أسعار الفائدة قصيرة الأجل لضغوط مماثلة، حيث ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل عامين بمقدار 16 نقطة أساس ليصل إلى 4.58%.
تأثر الارتفاع الصاروخي في عوائد سندات الخزانة الأمريكية بالضغوط المالية وديناميكيات العرض والطلب معاً. فشلت أول عملية إعادة شراء للسندات أجرتها وزارة الخزانة الأمريكية في نفس اليوم في تحقيق هدفها المتوقع، حيث كانت تخطط لشراء 6 مليارات دولار، لكنها قبلت في النهاية عروض بيع بقيمة 5.2 مليار دولار فقط، مما أحبط الجهود المبذولة لتهدئة السوق من خلال عمليات إعادة الشراء. وتفاقمت هذه الأوضاع بخطة توزيع مخصصات بقيمة 5000 دولار على المواطنين الأمريكيين البالغين، والتي أُعلن عنها سابقاً ويُتوقع أن تكلف أكثر من تريليون دولار، مما أدى إلى تصاعد مخاوف المستثمرين بشأن اتساع العجز المالي الأمريكي.
وبالإضافة إلى العوامل المربكة في الجانب المالي، أصبحت التقلبات الحادة في سوق الطاقة عاملاً رئيسياً آخر في دفع عوائد السندات للارتفاع. فبسبب تصاعد الصراع في الشرق الأوسط والانخفاض الحاد في إنتاج النفط السعودي، قفزت أسعار النفط العالمية إلى أعلى مستوى لها في نحو أربعة أشهر. حيث شهد نفط برنت القياسي العالمي ارتفاعاً بأكثر من 6% في يوم واحد، ليغلق عند 107.63 دولار للبرميل، ولامس 109 دولارات للبرميل في تداولات ما بعد الإغلاق، فيما سجل نفط غرب تكساس الوسيط الأمريكي ارتفاعاً مماثلاً. كما انخفض الإنتاج اليومي من النفط السعودي في أغسطس بنسبة 23% على أساس شهري، ليصل إلى أدنى مستوى له في السنوات الأخيرة، مما دفع السوق إلى إعادة تقييم المخاطر طويلة الأجل لإمدادات الطاقة العالمية.
غير الارتفاع المستمر في أسعار النفط بشكل مباشر من توقعات السوق بشأن التضخم والسياسة النقدية. فقد ارتفع مؤشر أسعار المنتجين في الولايات المتحدة في أغسطس بنسبة 5.4% على أساس سنوي، متجاوزاً توقعات السوق والقيم السابقة، مما يشير إلى أن ارتفاع تكاليف الوقود يعيد دفع ضغوط التضخم للارتفاع. وفي هذا السياق، تصاعدت رهانات المتداولين بشكل ملحوظ على قيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة مرة أخرى، وبدأ السوق يسعّر توقعات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة طويلة.
وتحت وطأة موجة البيع المكثفة في سوق السندات، تراجعت أسواق الأسهم العالمية بالتوازي، حيث انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 ومؤشر ناسداك 100 الأمريكيين بنسبتي 0.6% و0.9% على التوالي، فيما هبط مؤشر ستوكس أوروبا 600 بنسبة 0.7%. وتتداخل حالياً في الأسواق المالية العالمية عوامل متعددة تشمل أسعار النفط المرتفعة، وعودة التضخم للارتفاع، واتساع العجز المالي، وبيئة أسعار الفائدة المرتفعة، بينما لا يزال الاتجاه المستقبلي لعوائد سندات الخزانة الأمريكية وتقلبات سوق الطاقة يجذبان انتباه المستثمرين باستمرار.





