دق راي داليو، مؤسس صندوق "بريدجووتر"، مؤخراً جرس الإنذار مرة أخرى بشأن المخاطر الكامنة في الديون الأمريكية، مصرحاً بأن النظام المالي للحكومة الأمريكية قد وصل إلى نقطة تحول حاسمة. وتوقع أنه في حال عدم اتخاذ إجراءات تدخل سريعة، فمن المرجح أن ينفجر العبء الثقيل للديون بشكل مكثف خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة. وأشار هذا المستثمر البارز إلى أن حجم الإنفاق الحكومي الفيدرالي الحالي يتجاوز إيراداته بنحو 40%، وأن متطلبات خدمة الدين السنوية تقترب من 11 تريليون دولار، أي ما يقارب ضعف إجمالي إيرادات الحكومة. وعلى الرغم من أن هذه الأرقام تستند إلى حسابات مستقلة أجراها فريقه وليس إلى إحصاءات رسمية، إلا أنها تكفي للكشف عن خطورة مسار الديون الأمريكية.
وفي نظر داليو، يكمن المخرج الوحيد لحل هذه الأزمة في اتباع نهج متعدد الجوانب، يتمثل في خفض عجز الميزانية، وزيادة الإيرادات الضريبية، وخفض أسعار الفائدة في وقت واحد، بهدف السيطرة على عجز الميزانية في حدود 3% من الناتج المحلي الإجمالي في النهاية. ومع ذلك، فإن الواقع يشير إلى أن تكاليف الفائدة الباهظة تضغط بشدة على الحيز المالي للمجالات الحيوية الأخرى. يبلغ الحجم الإجمالي لسندات الخزانة الأمريكية حالياً حوالي 40 تريليون دولار، وتصل مدفوعات الفائدة الفيدرالية السنوية وحدها إلى 1.25 تريليون دولار. ومع توجيه المزيد من الإيرادات الضريبية لسداد حاملي السندات، فإن الأموال المتاحة للدفاع الوطني، والرعاية الاجتماعية، والبنية التحتية العامة تتعرض حتماً للضغط. وتشير التقديرات ذات الصلة إلى أن عجز الميزانية للسنة المالية 2026 قد يصل إلى 1.97 تريليون دولار، مما يدل على أن مشكلتي الديون والعجز تقيدان بالفعل القدرات المالية للحكومة.
وفي الوقت نفسه، أدت تحركات سوق السندات إلى تفاقم هذه المخاوف. وأظهرت البيانات الأخيرة أن عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 و30 عاماً بلغت 4.95% و5.37% على التوالي، وهو ما يتجاوز بوضوح الحد الأعلى لمعدل الأموال الفيدرالية البالغ 3.75%. ويعكس التباعد الكبير بين أسعار الفائدة طويلة الأجل وأسعار الفائدة للسياسة النقدية ارتفاع علاوة المخاطر التي يطالب بها المستثمرون للسندات طويلة الأجل، مما يسلط الضوء أيضاً على شكوك السوق حول استدامة المالية الأمريكية. وإذا استمرت العوائد طويلة الأجل في التراوح حول مستوى 5%، فإن تكلفة إعادة التمويل الحكومي سترتفع بشكل مطرد، مما يؤدي إلى تأثير كرة الثلج في نفقات الفائدة.
وفي مواجهة ضغوط مزادات السندات الحكومية المحتملة، يرى داليو أن الطريقة الأكثر احتمالاً للاستجابة هي أن يتبنى البنك المركزي سياسة نقدية أكثر تيسيراً ويوسع ميزانيته العمومية، مما يؤدي إلى رفع العرض النقدي الواسع. وحتى أوائل يوليو 2026، ارتفع العرض النقدي M2 في الولايات المتحدة إلى مستوى قياسي بلغ 23.22 تريليون دولار، في حين لم يتجاوز الارتفاع الشهري لمؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي 0.2%، مما يشير إلى أن مساحة التخفيف من التضخم محدودة للغاية. وبمجرد أن تنتقل المصاعب المالية إلى السياسة النقدية، قد ينزلق السوق إلى وضع معقد يتشابك فيه ارتفاع الديون، وتيسير النقد، وعودة توقعات التضخم، مما يزيد من تقلبات الدولار، وسندات الخزانة الأمريكية، ومختلف الأصول المحفوفة بالمخاطر.
وفي سياق البيئة الاقتصادية الكلية الحالية، قدم داليو أيضاً أفكاراً لتخصيص الأصول للمستثمرين العاديين، وخاصة المتقاعدين. واقترح أنه في ظل بقاء العوائد طويلة الأجل فوق مستوى 5%، فإن تخصيص سندات الخزانة الأمريكية متدرجة الاستحقاق لتأمين العوائد في هذه المرحلة يعد استراتيجية حكيمة. وذلك لأنه إذا أجبرت الضغوط المالية المستقبلية الاحتياطي الفيدرالي على التحول نحو خفض أسعار الفائدة، فمن المرجح أن تنخفض العوائد طويلة الأجل بالتبعية، وعندها ستفقد جاذبية إجراء تخصيصات مماثلة بشكل كبير.





