في ظل عدم تلاشي ضغوط التضخم بالكامل وتصاعد توقعات السوق لأسعار فائدة أعلى، شهدت أسعار الذهب تراجعًا مرحليًا مؤخرًا، ويرى بعض المؤسسات أن ذلك يفتح نافذة للمراكز الاستثمارية اللاحقة. وقال بنك استثماري في أحدث تقريره عن المعادن والتعدين إنه على الرغم من أن صعود عوائد السندات يضغط على الذهب إلى حد ما، إلا أن منطق الصعود طويل الأجل للمعدن الأصفر لم يُكسر، ولا يزال قطاع تعدين الذهب في موقع يمكنه الاستفادة من التحسّن في الأرباح الناجم عن أسعار أعلى.
ويرى البنك أن أسعار الذهب الحالية أظهرت قدرًا من المرونة تجاه تغيّرات أسعار الفائدة. حتى مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية إلى مستويات مرتفعة لم تبلغها منذ سنوات، وارتفاع تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، يبقى على السوق متابعة قدرة الاقتصاد الأمريكي والمالية العامة على تحمّل تكاليف اقتراض مرتفعة على المدى الطويل. ويذكر التقرير أن العجز السنوي للحكومة الأمريكية كبير، والإنفاق الصافي على الفائدة مرتفع، ومع تراكم الضغوط المالية، قد يضطر صانعو السياسات مستقبلًا إلى إجراء موازنات أكبر في جانب ضبط تكلفة الاقتراض، وهو ما سيظل يدعم الذهب.
فيما يتعلق بتوقعات الأسعار، يتمسك البنك بموقف متفائل طويل الأجل تجاه الذهب، ويؤكد هدفه لسعر الذهب عند ٥٠٠٠ دولار للأونصة في عام ٢٠٢٧. وفي الوقت نفسه، مع تصاعد الأثر قصير الأجل الناتج عن ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية، خفّض توقعاته لسعر الذهب في الربع الرابع من ٤٦٠٠ دولار للأونصة إلى ٤٤٠٠ دولار، كما خفّض توقعه لسعر الذهب في عام ٢٠٢٦ بالكامل من ٤٥٩٥ دولارًا إلى ٤٥١١ دولارًا. وفي المقابل، استنادًا إلى نظرة أكثر تفاؤلًا على المدى الطويل، رفع توقعه لسعر الذهب في عام ٢٠٢٩ من ٤٥٠ دولار إلى ٤٦٠٠ دولار، كما رفع الافتراض السعري طويل الأجل من ٣٥٠٠ دولار إلى ٣٦٠٠ دولار.
من حيث العوامل الدافعة، لا يزال التضخم المستمر، وتوسع ديون الحكومات، وتوقعات تراجع قيمة العملات، وشراء البنوك المركزية المستمر للذهب، من أهم دعائم الاتجاه طويل الأجل للمعدن الأصفر. ويرى التقرير أن هذه العوامل لم تختفِ بسبب التقلبات قصيرة الأجل في أسعار الفائدة، بل قد تعزز قيمته في المحافظ الاستثمارية أكثر مع تصاعد الضغوط المالية.
بالنسبة لقطاع تعدين الذهب، يُتوقع أن تحافظ نتائج أعمال الربع الثالث على مرونة عامة. ورغم أن ارتفاع أسعار الديزل وتكاليف الطاقة، إلى جانب إعادة ترتيب عمليات الاستخراج، وأنشطة الصيانة، واضطرابات الطقس، تمارس ضغوطًا على التشغيل، إلا أن شركات التعدين لا تزال تتمتع بهامش من المرونة في نقل التكاليف وفي الإدارة التشغيلية. وتشير البيانات إلى أن أسعار الديزل ارتفعت نحو ١٢٪ مقارنة بالربع السابق في الربع الثالث، بينما تراجع متوسط سعر الذهب من ٤٥١٦ دولارًا للأونصة في الربع الثاني إلى ٤٢٦٣ دولارًا، أي انخفاض بنحو ٦٪. تحت تأثير ارتفاع التكاليف وتراجع أسعار الذهب معًا، انضغط هامش أرباح القطاع، لكن الأثر الإجمالي لا يزال محدودًا نسبيًا، إذ تبقى هوامش ربحية قطاع التعدين أعلى من متوسطها التاريخي.
وأشار البنك أيضًا إلى أن نفقات الضرائب والرسوم في الربع الثالث انخفضت مقارنة بالربع الثاني، ما يساعد على تحسين التدفق النقدي الحر المحسوب لكل أونصة. ونظرًا إلى الربع الرابع، ومع تباطؤ الانقطاعات المؤقتة في الإنتاج واستئناف التشغيل التدريجي للمناجم، من المتوقع أن يكون أداء القطاع أفضل من الربع الثالث. والأهم، إذا اقتربت أسعار الذهب لاحقًا من أهدافها الأعلى، فستتقوى ربحية شركات التعدين بشكل ملحوظ، وقد ترتفع هوامش التدفق النقدي الحر في عام ٢٠٢٧ بوضوح، بما يعوّض ضغوط تكاليف التشغيل المستمرة.
غير أن التقرير حذّر من أن ارتفاع تكاليف العمالة قد يصبح خطرًا يتعين على القطاع مراقبته لاحقًا. وتشير تقييمات شركات التعدين حاليًا إلى أن تكاليف الديزل لا تزال ضمن نطاق يمكن إدارته، لكن النقاشات بين إدارات الشركات حول الأجور وتضخم تكاليف العمالة زادت بوضوح، وإذا اتسعت هذه المشكلة، فقد تضيف ضغوطًا إضافية على أرباح بعض شركات التعدين.
من حيث الأداء السوقي، تأخرت أسهم تعدين الذهب مؤخرًا عن أداء الذهب الفوري. وشهدت صناديق المؤشرات المتداولة المرتبطة بأسهم تعدين الذهب تدفقات خارجة صافية بنحو ١٠ مليارات دولار في سبتمبر، معاكسةً اتجاه عودة جزئية للسيولة سابقًا. غير أن البنك يرى أن الربحية الأساسية للقطاع لا تزال متينة، وأن تصحيح أسهم شركات تعدين الذهب عالية الجودة خلال مرحلة تذبذب أسعار الذهب يوفر فرصة استثمارية أكثر جاذبية، مع استمرار تفضيله للمنتجين الذين يتمتعون بمزايا تكلفة وجودة تدفقات نقدية أعلى.





