جمع الاجتماع السنوي لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك بين عدة إشارات خطر كانت متفرقة حتى وقت قريب: تسارع الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي، وارتفاع مستويات الدين، واستمرار اتساع الاختلالات العالمية، فيما لا تبدو آفاق التنسيق بين السياسات في الاقتصادات الكبرى متفائلة.
وقدّم صندوق النقد الدولي تقييماً متدرجاً للجهات المستفيدة من الذكاء الاصطناعي، إذ إن الاقتصادات المندمجة بعمق في سلاسل توريد القطاع، مثل كوريا الجنوبية واليابان والصين، تمتلك فرصاً أكبر للمشاركة في عوائد هذه الموجة من التوسع، بينما قد تتسع الفجوة مع الدول التي يصعب عليها الوصول إلى تلك السلاسل الصناعية. وفي الوقت نفسه، يستهلك بناء منظومة الذكاء الاصطناعي موارد ضخمة؛ إذ تتطلب مراكز البيانات، ومعدات الحوسبة، والبنية التحتية للطاقة، وتصنيع الرقائق تمويلاً مستمراً. ولا يقتصر أثر الطلب على الاقتراض المرتبط بهذه المشاريع على رفع ديون الشركات، بل يتنافس أيضاً مع التمويل الحكومي على الموارد، ما يدفع تكلفة الاقتراض الإجمالية إلى الارتفاع. وتكمن رسالة صندوق النقد في أن الذكاء الاصطناعي، إذا لم يُحقق في نهاية المطاف تحسناً في الإنتاجية، قد تتحول الاستثمارات الأولية فيه من فرصة صناعية إلى عبء مالي.
أما ملف الدين الأمريكي فيمثل محوراً آخر؛ إذ قالت رئيسة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا إن الدين الفيدرالي الأمريكي تجاوز 40 تريليون دولار، وإن النمو الاقتصادي وحده لا يكفي لجعل المالية العامة أكثر استدامة. في المقابل، أبدت وزارة الخزانة الأمريكية تحفظاً على هذه التحذيرات، معتبرة أن توقعات المؤسسات الدولية السابقة لم تكن دقيقة، ومؤكدة أكثر على دور النمو في تخفيف ضغوط الدين. ويُظهر الفارق بين المواقف اتساع الخلاف حول المسار المالي الأمريكي.
وفي اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين، لفتت المسافة البعيدة بين مقاعد المسؤولين الأمريكيين والصينيين انتباه المراقبين إلى أجواء التفاعل الثنائي. وقال رئيس بنك الشعب الصيني بان غونغ شنغ في الاجتماع إن الصين تدعم تعزيز دور صندوق النقد الدولي في رصد الأثر الخارجي لمخاطر المالية العامة في الاقتصادات المتقدمة الرئيسية، ورأى أن على الدول أن تولي أهمية لمسألة العجز المالي، وأن توسّع الدول ذات الفوائض الاستهلاك والاستثمار لدفع الاقتصاد العالمي نحو مزيد من التوازن.
ويحمل اختيار آسيا مقراً للاجتماع دلالات تاريخية؛ إذ تعد هذه أول عودة للاجتماع إلى القارة منذ قمة بالي في عام 2018، وكان آخر استضافة لتايلاند للاجتماع في عام 1991، أي قبل ست سنوات من فك ارتباط البات التايلاندي بالدولار، ثم اندلاع الأزمة المالية الآسيوية لاحقاً. واليوم، تتزامن الاختلالات العالمية وتوسع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ومستويات الدين المرتفعة، ما يدفع الأسواق إلى إعادة تقييم محفزات جولة جديدة من المخاطر المالية.





