مع دخول الصراع في الشرق الأوسط مرحلة المراوحة والتوتر المستمر، بدأ الأثر الاقتصادي داخل الولايات المتحدة ينتقل من عناوين الأخبار الدولية إلى الفواتير اليومية للأسر. بعد اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، توترت توقعات معروض النفط الخام، وارتفعت تكاليف تأمين الناقلات والنقل والتخزين، لتنعكس هذه الضغوط سريعاً على أسعار محطات الوقود وتكاليف الشحن وتكاليف التشغيل لدى الشركات. وظلت أسعار البنزين في الولايات المتحدة لفترة طويلة فوق ٤ دولارات للجالون، فيما ارتفعت أسعار الديزل بشكل واضح مقارنة بمستوياتها قبل عام، بل تجاوزت في بعض المناطق ٨ دولارات للجالون، ما وسّع الضغط على تكاليف قطاعات النقل والزراعة والبناء.
ولم تقتصر موجة ارتفاع أسعار الطاقة على قطاع الوقود. أظهرت أحدث بيانات التضخم أن مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة ارتفع ٣.٧٪ على أساس سنوي في سبتمبر، بما يتجاوز التوقعات السائدة في السوق، مع تسجيل بند الطاقة ارتفاعاً ملحوظاً، إذ زادت أسعار البنزين بأكثر من ٣٠٪ على أساس سنوي. وعلى مستوى الأسر العادية، يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تقليص الدخل المتاح مباشرة، بينما ينتقل أثر ارتفاع الديزل إلى أسعار المستهلك النهائي عبر تكاليف توزيع الغذاء ونقل السلع والأنشطة الصناعية. وحتى إذا تباطأت وتيرة ارتفاع أسعار السلع الأخرى، فإن زيادة الإنفاق على الوقود تستحوذ على حصة من المدخرات والاستهلاك في الميزانية المنزلية.
وسرعان ما ظهرت استجابة الأسواق المالية. مع تجدد ضغوط التضخم، أعاد الاحتياطي الفيدرالي في سبتمبر رفع أسعار الفائدة، ولا يزال السوق قلقاً من احتمال تشديد إضافي خلال العام. وارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل ١٠ سنوات من مستوى دون ٤٪ قبل الحرب إلى ما فوق ٥.٣٪، ما ضيّق بيئة التمويل. وكان الأثر واضحاً بشكل خاص في سوق الإسكان، إذ قفزت أسعار الفائدة على قروض الرهن العقاري الثابتة لأجل ٣٠ سنة من أقل من ٦٪ إلى نحو ٧.٥٪، ما زاد الضغط على الأقساط الشهرية للمشتريين، كما باتت الأسر التي تحمل ديوناً بفائدة متغيرة تواجه أعباء سداد أعلى.
وتثير التغيرات في الأجور اهتماماً مماثلاً. ولا تزال الأجور الاسمية في الولايات المتحدة تنمو، لكن وتيرة ارتفاع الأسعار تتجاوز نمو الدخل، ما يقوّض القوة الشرائية الحقيقية. وبالنسبة للأسر التي تدفع إيجارات وأقساط رهن عقاري وأغذية ومواصلات وخدمات طبية، فإن الزيادة على الورق في الدخل لا تعني بالضرورة حياة أسهل. كما يعكس الجدل حول منهجية احتساب الأجور فجوة لا تزال قائمة بين تحسن البيانات الاقتصادية الكلية والإحساس الفعلي للأسر العادية.
وفي الوقت نفسه، لم تهدأ الأوضاع في الشرق الأوسط بالكامل. ولا تزال القوات الأمريكية تحافظ على حضور عسكري كثيف في المنطقة، فيما تستمر التهديدات المرتبطة بالقيود البحرية وسلامة السفن التجارية. وفي اتجاه البحر الأحمر، تزايدت أنشطة الحوثيين في اليمن، وارتفعت مخاطر الملاحة في مضيق باب المندب. وكلا المضيقين، هرمز وباب المندب، يمثلان ممرين حاسمين لنقل الطاقة والتجارة العالمية، فإذا ما شهدت الاضطرابات المتزامنة تفاقماً أكبر، فقد تتعرض أسعار النفط وتكاليف الشحن وأسعار السلع لمزيد من التقلبات.
ومع اقتراب انتخابات منتصف الولاية في ٢٠٢٦، أصبحت كلفة المعيشة من بين القضايا المحورية التي يهتم بها الناخبون. ومن جهة، تؤكد إدارة ترامب أن الضغط على إيران يحمل أهمية استراتيجية، ومن جهة أخرى، عليها مواجهة الأثر المباشر الذي تتركه أسعار النفط والتضخم وتكاليف الاقتراض على الأوضاع المالية للأسر. وستتركز اهتمامات الأسواق والناخبين في المرحلة المقبلة على حالة استئناف النقل الطاقي، وتطورات التضخم، ومسار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي.





