بعد تصعيد الصدام بين الولايات المتحدة وإيران، طرأ تحوّل واضح في منطق تداول الذهب. فالمعدن النفيس الذي يُعدّ ملاذاً آمناً لم يستمر في الصعود، بل عاود التراجع سريعاً بعد ارتفاع مؤقت في بداية المواجهة. وفي 28 فبراير/شباط، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية ضد إيران، وفي 2 مارس/آذار سجّل الذهب في السوق الفورية 5378 دولاراً للأونصة، ثم واصلت الأسعار ضعفها تباعاً، حتى انخفضت قبل صدور الخبر إلى نحو 4021 دولاراً، في تراجع تراكمي بلغ حوالي 25.3%. وفي الجلسة الصباحية يوم الاثنين، انكسر الذهب تحت مستوى 4000 دولار لفترة وجيزة، قبل أن يظهر ارتداد فني.
جاء هذا المسار عكس توقعات الملاذ الآمن الأولية. فعند اندلاع الصدام، دفع الطلب على الملاذ الآمن أسعار الذهب إلى الأعلى، لكن انتباه السوق تحوّل سريعاً إلى مخاطر ممرات الطاقة. فمخاوف تتعلق بشحنات النفط وإمداداته عبر مضيق هرمز رفعت توقعات صعود أسعار النفط، ما زاد الضغط المرتبط بعودة التضخم وبقاء أسعار الفائدة مرتفعة. وفي بيئة ترتفع فيها عوائد السندات، تقلّ الجاذبية النسبية للذهب بوصفه أصل غير مولّد للعائد، فيما عزّزت قوة الدولار الضغط على الذهب المقوّم بالدولار. ومع جني الأرباح بعد الارتفاعات السابقة، والبيع السلبي في سوق العقود الآجلة نتيجة تعديلات الهوامش والمراكز، اتسع نطاق الضغط على الأسعار.
ومما يستحق الذكر أن أسعار الذهب الفورية وتدفقات صناديق الاستثمار المتداولة أظهرت انفصالاً. وتبيّن من بيانات القطاع أن صناديق الذهب العالمية في سبتمبر/أيلول حققت صافي تدفقات قارب 10 مليارات دولار، ما يقابل شراء نحو 67 طناً من الذهب، في حين تراجعت الأسعار بنسبة 8.5%. وفي نهاية سبتمبر/أيلول، ارتفعت إجماليات حيازات صناديق الذهب العالمية إلى 4256 طناً، في مستوى قياسي جديد، بينما بلغ صافي التدفقات في الربع الثالث 31 مليار دولار، مسجلاً أيضاً رقماً قياسياً. ولم تنسحب الأموال بسبب هبوط الأسعار، بل واصلت بعض المؤسسات والمستثمرين الأفراد زيادة الوزن النسبي للذهب عند مستويات منخفضة، بوصفه أداة تحوّط في المحافظ على المدى الطويل.
وفي المرحلة المقبلة، يظل المفتاح لتحسّن أسعار الذهب مرتبطاً بالتفاعل بين أسعار النفط والتضخم والسياسة النقدية. فإذا تراجعت أسعار الطاقة وتخففت ضغوط التضخم وعاد السوق إلى الرهان على خفض الفائدة، قد يحصل الذهب على دعم تقييمي. أما إذا اتسع نطاق الصدام، وثبت التضخم، وبقى الدولار قوياً، فقد يستمر الذهب تحت ضغط بيع. وفي الوقت الراهن، تبقى أسعار النفط والتضخم وسياسة الاحتياطي الفيدرالي متغيّرات يوازن بينها المتداولون مراراً.





