انتهت الانتخابات البرلمانية في صربيا بفوز تحالف “قائمة الطلبة” الذي يتخذ من مطالب الشباب بالتغيير شعاراً رئيسياً، في تعاقب جديد على المشهد السياسي الداخلي. وبالنسبة إلى الأسواق المالية والاقتصادية، لا يقتصر الأمر على تغيّر سياسي في منطقة البلقان، بل سيؤثر أيضاً في ترتيبات التجارة الإقليمية، وإيقاع دخول الاستثمارات الأجنبية، وبيئة التمويل والاستثمار في البنية التحتية.
الاتجاه الأساسي للحكومة الجديدة هو تسريع الاندماج في السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، والسعي إلى الحوافز والدعم، وتسهيل التجارة، وتسهيل تنقل الأشخاص. غير أن مسار التكامل يأتي مرفقاً بقيود تنظيمية؛ إذ يتعين مواءمة سياسات المنافسة، والتقييم البيئي، والمشتريات الحكومية، ومراجعة الاستثمارات الأجنبية مع معايير الاتحاد الأوروبي، مما قد يضغط على هامش صربيا في دعم الصناعات وجذب الاستثمارات الموجهة. ومن منظور الاتحاد الأوروبي، فإن تقارب صربيا أكثر يسهم في إكمال سلاسل الإمداد في جنوب شرق أوروبا وتحسين الربط اللوجستي عبر خطوط مثل سكة حديد المجر-صربيا. لكن خبرة الحكومة الجديدة في الإدارة محدودة، وتوجد خلافات داخل التحالف، فضلاً عن أن مفاوضات ملف كوسوفو قد تبقى متعثرة، ما يجعل الاستمرارية السياسية والاستقرار المالي وثقة رؤوس الأموال محط مراقبة، فيما تفضل بروكسل إصلاحات تدريجية وقابلة للإدارة.
التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين وصربيا قائم على أساس عقدي واضح نسبياً، حيث إن درجة الوفاء بالالتزامات التعاقدية في مشاريع مثل شركة “هيتسي ستيل” الصربية، وسكة حديد المجر-صربيا، ومجموعة “زي جين” للمناجم مرتفعة، كما لم يطرأ تغيير جذري على إطار اتفاقية التجارة الحرة، ولا تظهر مؤشرات “فك ارتباط” في الأمد القريب. التغيرات تظهر أكثر في المشاريع الجديدة: فمدد الموافقة على مشاريع البنية التحتية والطاقة المتجددة والمناطق الصناعية اللاحقة قد تطول، وترتفع عتبات الامتثال، وستُراعي مراحل المناقصات والتمويل معايير الاتحاد الأوروبي إلى حد أكبر، في حين يتقلص هامش المرونة الذي كان قائماً على الصداقة الثنائية. على الشركات الصينية المشاركة في السوق المحلية أن تخصص موارد أكبر للتحقق المسبق، والامتثال، وتسعير المخاطر.
مشكلة كوسوفو تبقى متغيراً أساسياً لا يمكن تجاوزه. يعتبر الاتحاد الأوروبي تطبيع العلاقات الصربية-الكوسوفوية نقطة مراقبة مهمة في مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، دون أن يطلب من صربيا الاعتراف الرسمي باستقلال كوسوفو، لكن ترتيبات عملية مثل التجارة والعبور الحدودي بين الجانبين تتقدم، وقد تؤثر على المدى الطويل في موقع صربيا في شبكات اللوجستيات والموارد في جنوب البلقان. لكن في ظل قيود متعددة، يصعب تحقيق اختراق قصير الأمد في مسألة حساسة مثل انضمام كوسوفو إلى الأمم المتحدة، واحتمال اندلاع صراع واسع منخفض.
بعض التغيرات السياسية في أوروبا خلال السنوات الأخيرة تُظهر أن الحكومات الجديدة التي جاءت بدفع من موجات الاحتجاج غالباً ما تكون نشطة في نقد السياسات القديمة، لكنها تواجه اختباراً في إدارة الاقتصاد الكلي. سابقاً حافظت صربيا على نهج متنوع ومتوازن في جذب الاستثمارات لتقليل الاعتماد على سوق واحدة؛ أما التحالف الجديد فيحتاج إلى إيجاد توازن بين إيقاع التقارب مع الاتحاد الأوروبي والمصالح الصناعية الوطنية. وفي سياق مفاوضات الاتحاد الأوروبي ودفع الإصلاحات الداخلية، ستبقى السياسات الصناعية الصربية، وقواعد دخول الاستثمارات الأجنبية، وترتيبات مشاريع البنية التحتية محط اهتمام الأسواق.





