تربعت هونغ كونغ وسنغافورة في صدارة الخيارات الآمنة الجديدة لرؤوس الأموال الآسيوية هذا العام، بعد أن فقدت أصول تقليدية مثل سندات الخزانة الأمريكية والذهب والفرنك السويسري والين الياباني جزءاً من بريقها كملاذات آمنة.
ويرى تقرير بحثي حديث أن أداء تلك الأصول كان غير مستقر خلال العام الجاري، بسبب تصاعد التوترات الجيوسياسية وتآكل الثقة في مصداقية بعض المؤسسات العامة الأمريكية، وهو ما دفع السوق إلى إعادة تعريف مفهوم الأصول الآمنة.
ولم يعد البحث عن الملاذ الآمن مرتبطاً بأصل معين بقدر ما أصبح موجهاً نحو أنظمة قضائية ومؤسسات يمكنها تجاوز تقلبات الدورات السياسية والمخاطر الاقتصادية واحتياجات انتقال الثروات عبر الأجيال.
وأعاد التقرير ترتيب خيارات الملاذ الآمن في آسيا، واضعاً هونغ كونغ وسنغافورة في المرتبة الأولى، فيما حلّت أستراليا واليابان كبدائل مهمة.
وترتبط هونغ كونغ بموقعها كبوابة رئيسية تربط ثروات البر الرئيسي الصيني بالنظام المالي العالمي، في حين تعزز سنغافورة مكانتها كمركز إقليمي للثروة بفضل منظومتها المؤسسية المتينة وجذبها رؤوس أموال من البر الرئيسي الصيني وجنوب شرق آسيا والهند وأسواق أخرى.
ويجمع المركزين عاملان محددان: الأول منظومة كثيفة من الخدمات المالية والقانونية في آسيا، والثاني قاعدة نقدية مستقرة نسبياً.
ومن منظور تدفقات الثروات عبر الحدود، جاءت هونغ كونغ العام الماضي في مرتبة متقدمة عالمياً من حيث صافي تدفقات الثروات العابرة للحدود، كما حافظت سنغافورة على مكانة مماثلة، تجاوزتا في جاذبيتهما عدداً من المراكز الأوروبية التقليدية.
ويعكس مؤشر المراكز المالية العالمية في نسخته الصادر في سبتمبر/أيلول هذا العام استمرار الزخم نحو المدن التي تتمتع بنضج مؤسسي وانفتاح في السوق واطر تنظيمية واضحة التوقعات.
وتكمن أهمية التحول أيضاً في موقع آسيا المتنامي ضمن الاقتصاد العالمي، إذ يتوقع التقرير أن تظل القارة محركاً أساسياً للنمو العالمي، بما يقارب 60% من مساهمة النمو في الاقتصاد العالمي هذا العام.
وتتمتع الشركات الآسيوية بتواجد قوي في سلسلة التكنولوجيا العالمية، لا سيما في تصميم أشباه الموصلات وتصنيعها والعتاد الإلكتروني وخدمات تقنية المعلومات والحوسبة السحابية، في حين تستحوذ المنطقة على نحو 70% من الطاقة الإنتاجية العالمية لأشباه الموصلات.
هذا ما يجعل نمو الثروة في آسيا ليس مجرد ظاهرة مالية، بل مرتبط بعمق بالقاعدة الصناعية وسلاسل التوريد التقنية العالمية.
وعلى مستوى الثروات، يتوقع التقرير أن يستمر نمو ثروات الأفراد ذوي القيمة الصافية العالية وسرعة زيادة عدد السكان في منطقة آسيا والمحيط الهادئ بوتيرة أعلى من معظم المناطق الأخرى.
وهذا التوسع في الثروات يرفع الطلب على التوزيع العالمي للأصول، وتخطيط الإرث العائلي، وإدارة المخاطر، ما يجعل المدن المالية التي يمكنها خدمة هذه الاحتياجات طويلة الأجل وجهة مفضلة لرؤوس الأموال.
في السياق نفسه، تشير المعطيات إلى أن خريطة الثروة العالمية قد تتجه نحو وجود محورين متوازيين: أولهما شبكة ثروة غربية تقليدية تتمحور حول سويسرا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وثانيهما شبكة آسيوية ناشئة تتمحور حول هونغ كونغ وسنغافورة.
ولا تعني هذه الخريطة بالضرورة استبدال أحدهما للآخر، بل تعني أن تدفقات رؤوس الأموال بين مختلف الأسواق والمناطق ستعتمد بشكل أكبر على هذين المحورين.
وتعيد هذه التحولات رسم الأولويات في المشهد المالي العالمي، حيث يعاد تقييم قيمة المراكز الآسيوية كجزء من منظومة الملاذات الآمنة الجديدة في عصر ما بعد تقليد الأصول الآمنة التقليدية.





