شهد سوق الذهب في الآونة الأخيرة موجة تذبذب واضحة، إذ هبط السعر مؤقتًا إلى دون 4,000 دولار للأونصة، ثم عاد ليتجاوز 4,100 دولار للأونصة. وفي مواجهة تقلبات السوق، لا يزال رئيس مجلس الإدارة المشارك في شركة «داكوتا غولد» ورجل التعدين المخضرم روبرت كويتماير ينظر إلى الذهب بوصفه نشاطًا طويل الأجل. وقال إنه عندما بدأ عمله في هذا القطاع عام 1976 كان سعر الذهب نحو 140 دولارًا للأونصة، لذلك لا يبدو السعر الحالي مرتفعًا على نحو يصعب تقبله في نظره.
يملك كويتماير خبرة تبلغ نحو 50 عامًا في مجال التعدين، وهو أيضًا من كبار المساهمين في «داكوتا غولد». وخلال مؤتمر استثماري أقيم في نيو أورلينز أواخر أكتوبر، تحدّث عن عودته إلى الخطوط الأمامية للعمل، بهدف دفع مشروع «ريتش蒙德 هيل» في منطقة هومستاك بولاية داكوتا الجنوبية. وإذا تحوّل المشروع إلى إنتاج تجاري، فسيكون هذا المنجم السادس في مسيرته المهنية الذي ينطلق من اكتشاف مبكر إلى تشغيل تجاري.
يقع مشروع «ريتش蒙德 هيل» قرب منجم «وارف» التابع لشركة «كويور ماينينغ»، على بعد نحو ميلين. وقد أنتج منجم «وارف» أكثر من 4 ملايين أونصة من الذهب تراكميًا، فيما تجاوز إجمالي إنتاج منطقة هومستاك من الذهب تاريخيًا 40 مليون أونصة، ما يعكس قاعدة موارد ناضجة وتقليدًا راسخًا في التطوير. ووفق التقييم الأولي الذي نشرته «داكوتا غولد» في يوليو 2025، يعتزم المشروع استخدام طريقة الاستخلاص بالكومة، مع إنتاج سنوي متوقع يقارب 153 ألف أونصة من الذهب. وكانت الشركة قد حصلت على خيار تطوير المشروع عام 2022، وحددت هدف بدء الإنتاج في 2029.
ويضع كويتماير هذا الجدول الزمني في مقارنة مع مشروعه السابق «بروس جاك»، الذي استغرق نحو 7 سنوات من الاكتشاف حتى بدء التشغيل عام 2017، وصار اليوم أحد أعلى مناجم الذهب من حيث تركيز الخام في العالم. ويرى أن إيقاع تطوير «ريتش蒙德 هيل» قريب من تلك التجربة، لكن المشروع يقع على أراضٍ مملوكة ملكية خاصة، فيما تأتي الموافقات الرئيسية من مقاطعة لورانس وحكومة ولاية داكوتا الجنوبية، وهو ما يمنح الشركة مسارًا أكثر وضوحًا في ما يتعلق بالإشراف الفيدرالي.
ومع التراجع القصير في أسعار الذهب، لا تزال تكاليف القطاع عاملاً رئيسيًا في تقييم جدوى المشروع بالنسبة لكويتماير. وقال إن «داكوتا غولد» قد تستخدم في مراحل دراسة الجدوى اللاحقة افتراض سعر للذهب عند نحو 3,000 دولار للأونصة، بينما كان الافتراض في التقييم الأولي لعام 2025 أقل، عند 2,300 دولار للأونصة. وأكد أن تطوير المناجم يحتاج إلى هامش أمان كافٍ، وألا تُبنى القرارات الاستثمارية على الأسعار في أكثر لحظات السوق تفاؤلًا. ورغم الارتفاع الكبير في سعر الذهب، يرى أن تكاليف القطاع إجمالًا لا تزال تتحرك في نطاق يتراوح بين 1,600 و2,000 دولار للأونصة، ما يعني أن شركات المناجم لا تزال تملك هامش ربح عند المستويات السعرية الحالية.
ولا يزال المشروع يواجه تحديات واقعية في التمويل والتراخيص وضغوط ارتفاع التكاليف. وأقرّ كويتماير بأن «داكوتا غولد» لم تُنجز بعد دراسة الجدوى الكاملة، ولم تؤمّن جميع ترتيبات التمويل. وتخطط الشركة لنشر دراسة الجدوى الأولية في الربع الرابع من العام الجاري، ثم دراسة الجدوى الكاملة في النصف الأول من 2027، مع الحاجة حينها إلى عكس أثر التضخم على التكاليف. وأظهر التقييم الأولي لعام 2025 أن النفقات الرأسمالية لمشروع «ريتش蒙德 هيل» تقارب 400 مليون دولار. وحتى نهاية يونيو، كانت الشركة تحتفظ بنحو 99 مليون دولار نقدًا، كما جمعت 75 مليون دولار عبر التمويل خلال العام الجاري، وهو ما يكفي لدعم تطوير المشروع حتى مرحلة دراسة الجدوى.
وفي ما يتعلق بهيكل التمويل، يفضل كويتماير استخدام أدوات مثل السندات القابلة للتحويل، واتفاقيات تدفق الفضة، والإتاوات، ومبيعات الذهب الآجلة، بدلًا من اللجوء فورًا إلى إصدارات أسهم كبيرة. وقال إن مشترين للمبيعات الآجلة قد يشملون مُصدِر عملة مستقرة مثل «تيثر»، الذي يواصل زيادة احتياطياته من الذهب في الفترة الأخيرة. ولا تزال أسعار الديزل أحد ضغوط التكلفة على المشروع، ويتوقع أن تتراجع أسعار الطاقة عند بدء تشغيل «ريتش蒙德 هيل»، لكن الشركة يجب أن تُبقي تكاليف الطاقة في اعتبارها ضمن التخطيط.
ويستمد كويتماير جزءًا من ثقته في المشروع من مراقبته الطويلة لمنجم «هملو». ففي نوفمبر 2025، أتمت شركة «هملو للتعدين» الاستحواذ على منجم «هملو»، بقيمة إجمالية قد تصل إلى 1.09 مليار دولار. وقد أنتج المنجم منذ 1985 نحو 25 مليون أونصة من الذهب تراكميًا، وجزء من التمويل جاء من اتفاق تدفق ذهب بقيمة 300 مليون دولار مع شركة «وييتون للفلزات الثمينة». ويرى كويتماير أن هذه الحالة تُظهر أن المناجم الجيدة يمكنها تحقيق قيمة كبيرة في بيئة أسعار مناسبة. ويتذكر مصنع المعالجة الذي رآه خلال عمله المبكر تحت الأرض؛ كانت طاقته التصميمية 10,000 طن يوميًا، بينما يعمل اليوم بنحو 3,800 طن، ما يعني أن التشغيل طويل الأجل لأي منجم لا بد أن يرافقه تعويض مستمر للخام.
وقبل أن يصبح جيولوجيًا، كان كويتماير طيارًا. وبعد حصوله على رخصة الطيران عام 1973، كان يطمح إلى العمل في الطيران، لكن مشاكل في النظر دفعته إلى الانتقال إلى قطاع الجيولوجيا. واليوم، لا يقتصر دوره على كونه عقيدًا فخريًا في سلاح الجو الملكي الكندي وحاصلًا على وسام كندا، بل يشارك أيضًا في مساعدة القوات الجوية على تقييم احتياجاتها من المعادن الحرجة. ويرى أن نقطة الضعف الحقيقية في أمريكا الشمالية ليست في مرحلة التعدين، بل في المعالجة والتكرير. وأشار إلى أن الصين أدركت أهمية مرحلة التكرير قبل نحو 15 إلى 20 عامًا، واعتبرتها عاملًا مؤثرًا في سلسلة إمداد أمريكا الشمالية. أما ميزة كندا فتكمن في موارد تحت الأرض لم تُستغل بعد بشكل كافٍ.
وحول مشروع «ريتش蒙德 هيل»، أبدى السياسيون في ولاية داكوتا الجنوبية اهتمامًا متزايدًا مؤخرًا. وقال كويتماير إن هذه أول مرة في مسيرته المهنية يرى فيها سياسيين يناقشون علنًا الحاجة إلى إنتاج المعادن الحرجة داخل أمريكا الشمالية. وزار نحو 50 من أعضاء الهيئة التشريعية في الولاية موقع المشروع للاطلاع على عمليات التعدين وأثر المشروع على البيئة. وحتى الآن، تواصل «داكوتا غولد» العمل على دراسة الجدوى الأولية والتمويل والتراخيص، مع بقاء هدف بدء تشغيل «ريتش蒙德 هيل» في 2029.





